( 5 ) من أنماط الفن في القرآن
يحلو لبعض « المثقفين » المنكرين لنبوة « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم أن يتوهموه مصلحا اجتماعيا من الطراز القادر على صنع التاريخ وهو أيضا - في ذلك الوهم - مفكرا أديبا من طراز نادر قد استغرقته التأملات في الكون والحياة وفي مصير شعبه فذهب إلى الجبال ليختلى بنفسه في العزلة التي تساعده على صفاء التفكير وتألق العبارة .
هذا هو تفسير هم للقرآن كنص أدبى وعمل فكرى هائل كانت له القدرة على تغيير الناس وإحداث الانتقال من القبيلة إلى الأمة ومن ثم كان بوسعه أن يصنع التاريخ ويغير مجرى الحياة على كوكب الأرض بصورة لم يسبق لها مثيل ولم تكرر من بعد ! !
هذا الافتراض يزعم أصحابه أيا كانت ميولهم الفكرية أنهم أهل العلم ويظنون أنهم يجاملون « محمدا » أكثر من اللازم إذ ينسبون إليه العبقرية الفذة التي لم تتكرر متغافلين عن أن زعمهم هذا قد نسب إليه « الكذب » كالسم المدسوس في عسل المدح الزائف . . .
ولكن هذا الافتراض لا يثبت أمام النقد الموضوعي وتتبين خرافته أمام النظرة الأولى المتفحصة .
من المؤكد طبقا لهذا الافتراض أن يكون « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم قد خرج من غار حراء حاملا كتابه في يده أو قصيدته الملحمية في صدره كاملة مرة واحدة ليقرأها على قومه مقدما لهم أفكاره وحلوله للمشكلات الاجتماعية الفكرية التي تعترض حياتهم وهذا بالطبع لم يقع في التاريخ أبدا لأن تنزيل « القرآن » كان تجربة حية استمرت نيفا وعشرين سنة ألقيت فيها الآيات خلال هذه المدة الطويلة في ظروف جد متباينة بل في ظروف لم تكن لتسمح أبدا - بالنظر إلى بشرية « محمد » - لا بصفاء الفكر ولا تألق العبارة وهو الأمر الذي لا يشكك فيه . أعدى أعداء القرآن فإن تألق عبارته يقين لا يقترب منه أدنى شك .
والمفروض طبقا لهذا الزعم أن يتجلى في أسلوب ومضمون القرآن التغيير الذي يناظر التغييرات الهائلة التي اكتنفت تاريخ تنزيله من عداء عارم في المجتمع الذي تنزل فيه إلى حصار واضطهاد إلى حروب حيث القتال والهدنة والمعاهدات إلى محاولات الاغتيال والغدر وإلى مئات من العوامل والأسباب التي من المحتم أن تترك أثرها العميق في تفكير كل إنسان .
وكان من المحتم بناء على هذا الافتراض أن يظهر القرآن « اختلافا كبيرا » لاختلاف الظروف التي أحاطت بظهوره وهو ما نبه إليه القرآن نفسه إذ يقول :