تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
في الغيب قبل النشأة الأولى واستحالة معرفته هنا لك فلم يعط وجوده في مقام النفي لفظ « كن » الذي يكون به الحضور والمعرفة قال « ولم تك » ولم يقل « ولم تكن » فتأمل ! ! وهل كان يمكن لمخلوق أن يرى « يونس بن متى » عليه الصلاة والسلام وهو محبوس في بطن « النون » في بطن البحر في بطن الأرض ثلاث ظلمات وكذلك كان الإنسان في خلقه الأول القديم وكذلك يكون الجنين في بطن أمه قبل أن يأتيها المخاض . يقول في موضع آخر :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
( 6 ) « 1 » . فانظر أولا كيف أشار بصيغة الماضي « خلقكم » إلى الخلق الأول القديم الذي خرجنا فيه من الأرض مباشرة بعد أن مسح اللّه بيده ظهر « آدم » النفس الواحدة الذي كان حينذاك لم يزل منجدلا في طينته ونثرنا نحن البشر في الأرض كما ينثر الزارع بذور النبات فأنبتنا هناك من الأرض حيث أخذنا صورا عديدة تشكلنا فيها طورا بعد طور أزمانا طويلة لا يعلمها إلا الذي خلقنا . وبعد أن صعدنا من الصور الأخرى إلى صورة « آدم » الذي أخذنا منذ البدء من ظهره حينئذ أخرج اللّه من صدر « آدم » حواء زوجته ولذلك فصل بين خلقنا وبين خلق زوج آدم بحرف « ثم » الذي يفيد التعاقب مع التراخي أي يشير إلى مرور زمن محسوس والشيء الهام الذي يجب الانتباه إليه هو أننا لم نكن في حاجة إلى زواج آدم وحواء لكي نخلق إذ قد خلقنا قبلها كما أفاد الترتيب المحكم فقد صرحت الآية بأنه سبحانه وتعالى قد خلقنا نحن البشر أولا ثم أخرج من النفس الواحدة زوجها . ثم نادانا ربنا من الأرض عندما أمرها هي والسماء أن تحضرا بين يديه « 2 » فاستمعنا
هامش
( 1 ) سورة الزمر الآية ( 6 ) . ( 2 ) راجع الآيات ( 9 - 12 ) من سورة فصلت .