تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
دعاءه متملقا ربه قائلا :
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
( 4 ) « 1 » . يقصد جدير بي ألّا أشقى مع دعائك يا إلهي لأنك كريم قريب مجيب تجيب المضطر وتكشف السوء فأنا على يقين من أنك قد استمعت وأنك قد أجبت لأننى أشعر بالسعادة ويزايلني الشقاء بمجرد أن أدعوك وفي الحقيقة فإن الدعاء دعاؤك أنت لأنك سبحانك الذي دعوتني لأقف بين يديك وهذا إيذان منك بأنك قد لبيت النداء قبل أن ينطق به لساني لأنك أنت الذي وضعته بقلبي وعلمته في نفسي قبل أن تخلقني فهو دعاؤك الذي نطق به لساني ولا بدّ من إجابته لأن فعلك بالإجابة لا يناقض قولك . فانظر إلى السر الخفي في نسبة الدعاء إلى اللّه مع أن الداعي هو العبد « زكريا » صلّى اللّه عليه وسلم . تأمل في هذا الإيجاز المعجز واشهد كم تكلمنا لنتعرف على أسرار حرف واحد هو الكاف الذي نسب الدعاء إلى المدعو وليس إلى الداعي . وعندما تحققت الإجابة وأحاطت به الملائكة تزف إليه بشرى الغلام الموعود الذي لم يجعل اللّه له من قبل سميا وقف زكريا مذهولا من سرعة الإجابة مدهوشا بعظمة الهبة مأخوذا بكرم اللّه يمتلئ قلبه بالشكر والامتنان الذي اتخذ هيئة التعجب من بديع صنع اللّه فتساءل ، من أين يأتيه الغلام وقد طعنته الشيخوخة وظلت امرأته العجوز عقيما منذ زواجهما وأحب اللّه أن يزيده ويزيدنا من بعده علما فقال له مجيبا على تساؤله :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
( 9 ) « 2 » . يعنى لا تتعجب من تخليق مولود من شيخ عقيم وهن عظمه واشتعل الشيب في شعره ومن امرأة عاقر يئست من المحيض إلى غير رجعة لأننى أنا اللّه الخالق القدير الذي لا يعجزنى شئ وقد صنعتك من قبل في أيام الخلق الأولى من تراب الأرض بلا أب ولا أم بل أنبتك من الطين كما تنبت الأشجار لم يحملك والد في صلبه ولا والدة في رحمها ولم تكن قبل تلك النشأة الأولى في خلقك الأول القديم لم تكن كيانا يمكن أن يشار إليه إذ كنت في الغيب نسيا منسيا لا يذكرك أحد غارقا في الظلام لا ينتبه إليك أحد . فهل يبقى في قلب « زكريا » عليه السلام شئ من التعجب بعد هذا البيان وهل لنا أن نتوهم استحالة شئ على قدرة اللّه الكبير المتعال . بالطبع لا يبقى أثر للتعجب ولا للوهم . فتأمل كيف أشار إلى كل هذا العلم بلفظ واحد هو « قبل » . وانظر الآن كيف لم يقل وهو يصف كيان « زكريا » في الغيب قبل النشأة الأولى لم يقل « لم تكن » بل قال « لم تك » حاذفا « النون » من فعل الكيان « كن » حارما الكاف من وصلها ليؤكد انعدام « زكريا »
هامش
( 1 ) سورة مريم الآية ( 4 ) يمكن الرجوع إلى تفاصيل القصة في رواية « كلمة من اللّه » بقلم الكاتب وهي رواية تقص حياة « المسيح عيسى ابن مريم » في قالب فنى وفي سياق عرض تاريخي شامل وهي تتناول حياة « زكريا » « ويحيى » « ومريم » ( عليهم صلوات الله وسلامه ) بالإضافة طبعا إلى « المسيح عيسى ابن مريم » عليه وعلى نبينا « محمد » صلوات الله وسلامه . ( 2 ) سورة مريم الآية ( 9 ) .
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 55 | توحيد عبد الفتاح الزهيري