« المعرفة » - والمس فعل من طرف واحد فنفت عن نفسها الاشتهاء والرغبة .
بينما عندما أراد بيان نواقض الوضوء قال :
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
« 1 » .
فعبر عن المعاشرة الجنسية أو مقدماتها بلفظ « الملامسة » وهو على صيغة « المفاعلة » من لفظ اللمس « والمفاعلة » تقتضى الفعل المتبادل من الطرفين وهما الذكر والأنثى أو الرجل وامرأته في حالتنا هذه والفعل المتبادل يعنى تبادل التأثير والتأثر وأشار بهذا إلى الاشتهاء والممارسة الجنسية الكاملة أو على الأقل مقدمتها كسبب لنقض الوضوء . لم يقل مثلا أو لمستم النساء أو مسستم النساء لأن اللمس أو المس ضعيف ومن طرف واحد فليس المقصود في الآيات تماس البشرة بل الممارسة الجنسية .
بل إنه ذهب إلى أبعد من هذا إثباتا لبراءتها من الزنا وبرهانا على أنه من لدن حكيم خبير قدير فقال على لسانها في معرض دفاعها عن نفسها في نفس الآية :
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
( 20 ) « 2 » .
لم يقل « ولم أكن بغيا » وهو صحيح معبر عن الحق الذي يريد الإفصاح عنه .
حذف حرف ال « ن » من فعل الكينونة أكن فصار « أك » في إشارة باهرة إلى أن الأشياء إنما تصبح حاضرة بقول اللّه « كن » الذي يتصل فيه الكاف بالنون ولا حضور إلّا بذلك لأن الأشياء لا تصدر إلّا عن واحد هو اللّه عندما يقول لها « كن » .
كره اللّه سبحانه وتعالى وهو في مقام الحديث عن شبهة وصم « مريم » العذراء بالزنا كره أن يصل النون بالكاف حتى لا يكوّنا معا فعل الكينونة .
وفي هذا المقام البغيض إلى نفسه من شدة حبه للعذراء البتول وتأكيدا لبراءتها رفض أن يعطى الشبهة حتى في مقام نفيها صورة الكيان المتحقق بلفظ « كن » فقال في اقتدار لا يستطيعه غيره « ولم أك » ولم يقل « ولم أكن » حتى لا يدع أي احتمال لوقوعها في تلك الفاحشة البشعة كأنه قال بحذف النون لن تجد أثرا في « الحق » الذي هو شهادة اللّه لتلك الشبهة المعدومة التي لم تشم حتى رائحة الوجود .
وفي المحراب الصامت وسط سحب البخور العطرة التي تتصاعد من المجامر فتثير الأشواق من أعماق القلب قام « زكريا » يدعو ربه فيما سماه « القرآن » نداء خفيا طالبا الوريث الذي يحمل عنه الأمانة ليبقى في الأمة « الرسالة » ويحفظ مجد اللّه في الشعب وختم « زكريا »
هامش
( 1 ) سورة النساء الآية ( 43 ) .
( 2 ) سورة مريم الآية ( 20 ) .