( 4 ) من عجائب الألفاظ والحروف
عندما يستغرق الإنسان في قراءة القرآن فإنه ينسى أن هذا النص البديع قد نزل في مطلع القرن السابع الميلادي وأنه ينفصل عن زمننا المعاصر بما يقترب من ألف وأربعمائة سنة تغير خلالها وجه الأرض تغيرات هائلة مئات المرات بحيث لو افترضنا أن أحد الذين عاصروا تنزيل القرآن قد بعث إلى عصرنا كما بعث أهل الكهف بعد ثلاثمائة سنة من نومهم فإنه لن يتعرف على شئ مما يرى في الدنيا اللهم إلّا الظواهر الطبيعية مثل السحاب والمطر والنجوم والشجر والدواب والنباتات وملامح وجه الإنسان والقرآن الذي بقي على حاله محتفظا بجماله منذ استمع إليه مع كفار قريش عند الكعبة .
لقد ظل « القرآن » الكريم معاصرا يقرؤه الناس ويستمتعون بتلاوته ويستهدون بإرشاده طوال كل العصور التي مرت على الأرض ورغم كل الأحوال التي تقلبت على وجهها بحيث يمكننا أن نؤكد أن القرآن الكريم هو أوسع الكتب انتشارا في تاريخ البشرية وأنه لا يمر يوم من الأيام منذ ألف وأربعمائة عام إلّا وجمع غفير من البشر في كل مكان يتلون القرآن أو يستمعون إليه أو يتدبرون في آياته .
وحقا تكون « مملكة » القرآن هي التي لا تغيب عنها الشمس وسوف يبقى سلطانها حتى يأذن اللّه بدمار الأرض عند مجىء الساعة وهو ما يلمح إلى أن القرآن كان السر وراء حياة الأرض وعند رفعه قبيل نهاية الدنيا يكون ذلك إيذانا بخرابها .
والسر في احتفاظ القرآن بمعاصرته لكل الأجيال البشرية وحيويته الخارقة هو أنه يجيب على الأسئلة الجوهرية التي تثور في عقل الإنسان منذ كانت الحياة وأنه يمد الإنسان بالإرشاد الحكيم في كل ما يهمه من شؤون حياته وأنه يفعل هذا في أداء فنى باهر يجعل مجرد قراءته متعة عقلية ولذة وجدانية ونورا يبدد الظلمات ويأخذ بيد الإنسان في طريق السعادة المنشودة .
منذ بدأ وعى الإنسان بالحياة ثارت في قلبه الأسئلة عن نشأة الكون ومصيره وأين يذهب الموتى الذين غابوا وما الغاية من الحياة كل هذه الأسئلة تجد إجاباتها العميقة الرصينة التي تقنع العقل وتطمئن الوجدان وتضبط السلوك في الآيات القرآنية وتنفذ إلى القلب في يسر واقتدار .
وفي كل اللحظات الحرجة والأزمات الجوهرية التي يتعرض لها الإنسان في تجاربه الذاتية التي يفرضها قانون الابتلاء العام في هذه الساعات العصيبة يجد قارئ القرآن طريق الفرج على حين فجأة وحيث لا يحتسب ربما قرأه في آية قرآنية على لافتة أو في لوحة على جدار أو تناهت إلى سمعه من إنسان تمتم بها وسط الزحام أو التقطتها أذنه من مذياع في مقهى أو انطلق صوته من بيت قريب .