في بدء السورتين المسميتين بهما ووجه الإشارة أن الحروف المكتوبة هي رسوم تعيّن الأصوات أي أنها تجعل الأصوات ( - الحروف ) مرئية مدركة بالعين وهي المصدر الأول والمرجع الأصيل للعلم فهي التي تقيّد الأصوات وتحصرها في شكل محدد إذ أن الأصوات موجات مسموعة مبهمة أو غائمة .
والحروف تبنى الكلمات التي يتم بها تحصيل العلم ومن ثم فإنها ينبوع العلم وكذلك كان اللوح المحفوظ المكتوب بالقلم الإلهى هو الذي عيّن العلم الإلهى وأخرجه من خفاء الغيب المطلق وهو بالتالي أصل كل علم يحصل عليه الخلق ولهذا التشابه كانت هذه الحروف تومئ إلى اللوح المحفوظ . لقد تحدد العلم بكتابة اللوح المحفوظ في أول صوره فأشير إليه بحرف واحد لأن الحرف هو أول طريق العلم .
ثم كانت الإرادة الإلهية بخلق السماوات والأرض لتكون مجالا يتحقق فيه العلم المسجل . . . خلق اللّه الأرض وأنشأ فيها كل الكائنات في أربعة أيام ( أو أحقاب زمنية ) لا يعلم طولها إلّا اللّه كما فصلت سورة « فصلت » وبنى سبع سماوات متراكبة واحدة فوق أخرى واستدعى من الأرض « الأنفس » فيما يطلق عليه القرآن « النشأة الأولى » فأسكنهن في السماوات السبع كلّ في مقام معلوم وترتيب حكيم فكان « آدم » مثلا في السماء الأولى « وعيسى بن مريم ؛ في الثانية كما رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المعراج .
وأنزل اللوح المحفوظ الجامع للعلم إلى السماوات السبع موحيا في كل سماء قدرا منه فصار ذلك القدر هو « الأمر » المخصوص بكل طبقة من الطبقات السبع فأصبحت كل سماء تحمل في باطنها كتابها ( - أمرها ) الخاص الذي يحتوى على مجموع الإرادة الإلهية المناط بها حملها « 1 » .
وتكوّن الكلمات الإلهية التي تم نشرها أو توزيعها على السماوات السبع ما يسمى بالكتاب المبين ومن هنا نعلم أن الكتاب المبين هو العلم الإلهى الذي نزل من اللوح المحفوظ إلى السماوات بعد نهاية الأيام ( الأحقاب ) الستة .
إذن الكتاب المبين هو نسخة أو صورة من اللوح المحفوظ انطبعت في السماوات السبع فهو إذا الصورة السماوية للعلم الإلهى . وإلى ذلك الكتاب أشارت الفواتح : ألم والمر وطسم وطس ويس . . . في أوائل السور .
لقد تهيأت الأرض الآن لبدء الدنيا واستعدت « الأنفس » على الصراط للدخول في الامتحان فأنزل اللّه على مصطفاه صلّى اللّه عليه وسلم « القرآن » وكان ذلك النزول الأول الذي أنار
هامش
( 1 ) راجع الآيات ( 9 - 12 ) من سورة فصلت .