تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
ومعنى هذا أن القرآن هو ذكر وتذكير من اللّه للبشرية كلها أي التفات إليهم وتنبيه لهم وتذكيرا بكلامه القديم الذي سبق لهم أن استمعوه واستقامت لهم ألفاظه ومعانيه واستقر في نفوسهم وبه يحاكمهم اللّه « 1 » . بعد هذه الجولة التي سبحنا فيها مع السياق القرآني تقودنا الحروف المقطعة في أوائل بعض السور والتي لم تزل تحمل الكثير من الأسرار ولكن المقام يضيق ونحن لا نقدم تفسيرا بل محاولة للتعرف على النص لنصل من خلاله هو نفسه إلى حقيقته . بعد هذه السباحة السريعة في بحر القرآن العميق هل يستطيع الإنسان أن يصنف القرآن طبقا لمضمونه ؟ ! إن أسفار العهد القديم بالتحليل الموضوعي للنص ليست أكثر من سيرة شعبية تقص تاريخ بني إسرائيل من بدايتهم كعائلة للنبي « يعقوب » حتى تكوينهم لدولة أو مملكة على يد الملك « داود » ومن بعده ابنه « سليمان » عليهم الصلاة والسلام ثم التفكك والانهيار والصراع والحروب . إنها مجموعة من الكتب التي تتناول موضوعا تاريخيا وتمتلئ بالتفاصيل الدقيقة وأيضا بالخرافات والأكاذيب والأهم من كل ذلك أنها مجهولة المؤلف فلم تجمع إلّا من الألسنة في قرون وظلت مضطربة السياق غامضة الكلمات حتى تم الاتفاق على الصورة الموجودة عليها الآن في القرن العاشر الميلادي يعنى بعد ألفي سنة من « موسى » النبي صلّى اللّه عليه وسلم الذي تنسب إليه الأسفار الخمسة الأولى وأيا كانت التفاصيل التي لا تهمنا الآن ولكننا بكل موضوعية لا نملك عقلا إلّا أن نصنفها كسيرة شعبية باستثناء بعض الأسفار مثل المزامير أو الأمثال فإنها كتب أشعار دينية وحكم وأمثال بصفة عامة . والأمر كذلك بالنسبة للأناجيل فهي ترجمة لحياة السيد المسيح عيسى بن مريم ( صلّى اللّه عليه وسلم ) كتبها رجال سمعوا قصته وأعجبوا بها وهي ليست أكثر من هذا بأي حال من الأحوال فإنها لا تحتوى إلّا على سيرة المسيح ومعجزاته وأقواله بغض النظر عن ركاكتها واضطرابها . أما القرآن فكما تبين لنا من جولتنا الخاطفة فإنه يستحيل وضعه تحت أي تصنيف إذ هو يحوى الشريعة والتاريخ والفلسفة بكل أقسامها ؛ الطبيعة وما وراء الطبيعة والأخلاق وفيه وصف لظواهر تقع تحت سلطان العلوم التجريبية وأخرى تحت لواء العلوم الإنسانية فأين يمكن وضعه بين الكتب البشرية ؟
هامش
( 1 ) انظر قوله ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) البقرة ( 284 ) فالآية تشير إلى كلام الله المودع في النفوس وسواء أبديناه في الدنيا إن آمنا وعرفنا الحقيقة أو أخفيناه إن كفرنا وضللنا فإنه سيكون يوم القيامة مقياس الحساب تأمل في قوله « به » فهو يحاسبنا « به » وليس « عليه » فهو معيار الحساب وليس موضوعه لأننا سنحاسب « على » أعمالنا بالقرآن أي كلام للّه الذي هو قانون الحساب .