تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨

( 3 ) نظرة إلى فواتح السور

ربما يحسن أن نلقى نظرة أخيرة على فواتح السور مع بيان مراحل تسجيل العلم الإلهى وهي نظرة توضح بإذن اللّه بعض غوامض التنزيل ولا شك أن الأمر يحتاج دراسة مفصلة إلّا أننا نكتفي بالقدر الذي يسمح به المقام ولعل اللّه يجعل بعد ذلك خيرا كثيرا . كان اللّه ولا شئ معه غيبا تاما أو كنزا مخفيا تستحيل معرفته فأحب أن يعرف فانبعث من هذا الحب ذلك الكائن الذي أنيطت به المعرفة . إنه « الشاهد » للتجلى المعاين لما يكشف عنه . . « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم وهو في هذا المقام « روح اللّه » أي الشيء الذي يعرف به اللّه إذ هو واسطة المعرفة أو وسيلتها . ولم يكن « العلم » حينذاك قد كتب أو تم تسجيله وهذا هو معنى « النبي الأمى » أي المنسوب إلى أم الكتاب يعنى العلم الإلهي إذ كان نبيا قبل أن يكون هناك كتاب أو أداة كتابة وهي الحقيقة التي رمز اللّه إليها في الدنيا بجعله « محمدا بن عبد اللّه بن عبد المطلب » النبي العربي أميا لا يقرأ ولا يكتب . وإلى هذا المقام الذي سبق كتابة العلم الإلهى أشار اللّه بفاتحة سورة القلم ( ن ) لأن النون دائرة فارغة لا تحوى شيئا إلا نقطة واحدة هذه النقطة تشير إلى محمد « صلّى اللّه عليه وسلم » النبي الأمى الذي أخرج من الغيب ليكشف اللّه به عن نفسه وفراغ الدائرة يرمز إلى العلم الإلهى قبل أن يسطر في كتاب . لقد كشف محمد « صلّى اللّه عليه وسلم » بخروجه من قبضة الغيب عن العلم الإلهى فكان خروجه بمثابة المصباح الذي أضاء الظلام الذي كانت تغرق فيه الكائنات حينذاك في بطن الغيب كما كان « يونس » في بطن النون ( الحوت ) وهذا هو سر الإشارة في آية ابن متى ( عليه الصلاة والسلام ) . ومن هنا سمى ( محمد ) صلّى اللّه عليه وسلم الكاشف ونعت بأنه مصباح الظلام . من هذه النقطة خرج « القلم » الذي كتب اللّه به العلم فسجله وكان هذا التسجيل هو اللوح المحفوظ . إنه أول كتاب على وجه الإطلاق ومن ثم فهو « الأم » التي ولدت كل الكتب ولذلك سمى في القرآن بأم الكتاب وهو المصدر الأول للعلم الإنسانى لأنه يضم العلم الإلهي . ولما كان « القلم » الذي خلقه اللّه هو الوسيلة التي سجل بها العلم فهو إذن صاحب الفضل الأول على الإنسان لأن به تعلم الإنسان ما لم يكن يعلمه عن نفسه إذ كان وسيلة إخراج العلم من الغيب « 1 » . وإلى هذا اللوح المحفوظ أو أم الكتاب أشارت ( ص ) ، ( ق )
هامش
( 1 ) سورة العلق الآيتان ( 4 ، 5 ) « الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم » .
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 48 | توحيد عبد الفتاح الزهيري