شاهدا على كل شئ وشاهدا للّه في كل شئ ولا بدّ إذن أن يكون هو أول من خلقه ليتمكن من الشهادة على كل شئ .
لا نحتاج إلى المزيد من التفصيل هاهنا لأن هدفنا هو بيان معنى « الوحي » لذلك نقول الوحي هو ذكر من اللّه لخلقه وهو عمل إلهي يكون من شأنه أن ينير الكتاب المبين فيكشف عما أودع فيه من علم اللّه فهو بمثابة إضاءة للذاكرة الإلهية أي تنوير لخزانة العلم الإلهي .
هو التفات من اللّه إلى خلقه ويتم هذا في قلب النبي الذي يكون بمثابة سفينة ينزل عليها « الروح » فيضيء بنوره الظلمات كاشفا الغيب فتستبين مصائر الخلائق المسطورة في الكتاب المبين .
وقد صرح اللّه بتسمية الوحي ذكرا فقال :
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ
« 1 » .
قال ذلك على لسان نوح ، وعلى لسان هود عليهما الصلاة والسلام على سبيل المثال .
ويقول :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 9 ) « 2 » .
والذكر هنا هو الوحي الملقى إلى محمد « صلّى اللّه عليه وسلم » يعنى « القرآن » .
وقال على لسان الكافرين :
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
« 3 »
ويقول :
فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 22 ) .
ويل لهم من ذكر للّه لهم « 4 » لأنه عندما يذكرهم عند إنزال الوحي إلى النبي يتبين في نور الوحي سوء المصير الذي ينتظرهم .
والآيات كثيرة متضافرة ولكن نكتفي بما قدمنا لنتأمل قوله أخيرا :
وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
( 104 ) « 5 » .
« العالمين » هم بنو الإنسان وسماهم عالمين لأن كل واحد منهم يعد عالما قائما بذاته « 6 » .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف الآية ( 63 ) .
( 2 ) سورة الحجر الآية ( 9 ) .
( 3 ) سورة الحجر الآية ( 6 ) .
( 4 ) سورة الزمر الآية ( 22 ) .
( 5 ) سورة يوسف الآية ( 104 ) .
( 6 ) راجع قول الله على لسان لوط في سورة الشعراء ( أتأتون الذكران من العالمين ) الآية ( 165 ) .
ومعلوم أنهم كانوا يأتون الرجال أي الذكور من أيناء آدم شهوة ويتركون النساء .