وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
( 27 ) « 1 » .
ما ذا يتذكرون ؟ ! وتأتى الإجابة بطريقة مدهشة في الآية التالية ولكن لا ينتبه لها إلا المتدبر الذي يديم التساؤل ويتحفز لالتقاط المعنى .
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
( 28 ) « 2 » .
يقصد لعلهم يتذكرون بهذا القرآن الحاضر قرآنا عربيا قديما كان مفصلا لهم واضح المعاني ميسورا غير عسير على أفهامهم مستقيم الطرق والألفاظ أمامهم لأنهم كانوا في موقف الشهادة الحرة لم يدخلوا بعد في فتنة الابتلاء لعلهم إن استطاعوا أن يتذكروا يحمون أنفسهم من عذاب اللّه .
ولا شك أن ذلك الفهم يفرض لنا كيانا سابقا على ولادتنا من الأرحام وهو أمر تتضافر الآيات على تأكيده ولكن المقام الآن لا يسمح بتناوله ويفرض كذلك الاعتقاد بأن النبي « صلّى اللّه عليه وسلم » هو أول الكائنات وإلى ذلك أشار القرآن بوصفه « صلّى اللّه عليه وسلم » بأنه
( أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ )
« 3 » ولن ندخل في نقاش طويل ويكفى أن نذكر هنا أن العلم ينقسم إلى غيب وشهادة « 4 » وبالطبع فلا شئ يغيب عن اللّه فإلى من يشير الانقسام ؟ ! إن هذا التقسيم يشير إلى كائن أراد اللّه أن يجعله شاهدا فأخذ يكشف له عن علمه المخبوء في الكتاب شيئا فشيئا ويوما بعد يوم فالقسم الذي تم الكشف عنه صار مشهودا منه فهو موضع شهادته والأقسام التي لم يكشف عنها بعد تظل غائبة فمن هو هذا الشاهد المرموق ؟ !
أليس هو النبي « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم الذي قال له :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 45 ) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً
( 46 ) « 5 » .
شاهدا على أي شئ أو شاهدا لأي شئ ؟ .
هامش
( 1 ) سورة الزمر الآية ( 27 ) .
( 2 ) سورة الزمر الآية ( 28 ) انظر إلى قوله « أفغير اللّه أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا » سورة الأنعام 114 .
( 3 ) سورة الأنعام الآية ( 163 ) .
( 4 ) لاحظ العلماء أن الحروف المقطعة تمثل نصف الحروف العربية فهل الإشارة في هذا هو انقسام العلم الإلهى إلى قسمين غيب لم يكشف بعد وشهادة بالنظر إلى أن الحروف هي التي تبنى العلم إذ منها تتكون الكلمات ونصف الحروف يشير من ثم إلى نصف العلم أي الجانب الذي أضىء أما النصف الآخر فلم يزل مظلما إذ ليس لدينا حروف تخصه بمعنى لا نملك وسائل الحصول عليه ربما وعجائب القرآن لا تنفد ! ! .
( 5 ) سورة الأحزاب الآية ( 45 - 46 ) .