يعتمل في جوف الأرض ويسمع ما تنطق به الملائكة بقدر سمعه لخلجات النفوس التي لم تغادر الصمت ، إن النص القرآني يمضى هادرا كالبحر العميق تتوالى أمواجه واحدة في إثر أخرى منسابا من موضوع إلى آخر دون أن يفقد قوته أو يضطرب اندفاعه مما يفصح عن أن « المتكلم » لا يتردد ولا يتلعثم ولا تقل قوة حفظه ولا حدة علمه رغم البون الزمنى الشاسع الذي يفصل بين الوقائع التي يكشفها والتنوع الهائل في القضايا التي يجليها إذ تدخل في نطاق علوم ومعارف واسعة الامتداد والعمق لا يستطيع فرد واحد ولا جمع غفير من البشر أن يحملها .
ويجرى النص القرآني دون أن يفقد وضوحه أو يزول جماله إذ يظل محافظا على الحس الموسيقى الرفيع الذي يحرر المستمع المنصت من أسر الزمن ناثرا الصور الفنية والأساليب البديعية في آياته السامية تناثر النجوم المتألقة في سماء صافية مما يقطع أن المتكلم قد امتلك الحرية الكاملة والقدرة المطلقة فلا يعتريه اضطرار ولا يعوزه شئ سبحانه وتعالى جلّ قرآنه عن أن يكون له مثيل كما لم يكن لذاته كفوا أحد ! !
وإذا كان « تيار الوعي » يمثل محاولة الإنسان الأديب لرسم صورة شاملة للذاكرة وتسجيل وعيه بنفسه في لحظة معينة فإن « تيار الوحي » - وللّه المثل الأعلى - هو النور الذي يكشف للنبي - وللمؤمنين من ورائه - الذاكرة الإلهية ، أعنى مستودع العلم الإلهى وهو الكتاب الذي سجل اللّه فيه علمه راسما بقلمه على صفحاته قصة السماوات والأرض كاتبا كل الوقائع منذ انبعثت الإرادة الإلهية للكشف عن نفسه إذ أحب أن يعرف إلى أن تأتى « الساعة » التي يتهاوى فيها بناء الكون ويرث اللّه الأرض ومن عليها .
ألم
( 1 ) . « 1 »
ألف . لام . ميم
ترى ما هي هذه الحروف ؟ ! إنها رموز تشير إلى سر فإلام تشير هذه الأصوات ؟ !
لا بدّ أن هذا هو السؤال الذي يتبادر إلى فؤاد النبي الذي يتلقى الوحي ويثير تساؤل كل من يقرأ القرآن . حقا إلى أي شئ تشير ؟ ! ويأتي الجواب مباشرة في الآية التالية :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
. « 2 »
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية ( 1 ) .
( 2 ) سورة البقرة الآية ( 2 ) .