والأحداث المروعة تخرج الأحكام الشرعية والآداب التي تتناول كل شؤون الإنسان على هذه الأرض ؛ الزواج والطلاق وتربية الأطفال وبناء البيت والمجتمع والمال والدماء والقتال والطعام والشراب والصلاة والزكاة والصيام والحج وتتناثر في دقة ورقة الآيات التي تدعو الإنسان للتفكر في صنع الخالق الكبير المتعال الذي يملأ السماوات والأرض بدلالات أسمائه وتتوالى الإنذارات والبشارات والتذكارات والحوارات المتدفقة في سياق عجيب مذهل يسمعنا صوت نملة خافت على أهلها فقامت تخطب فيهم تحذرهم من أن يدهمهم جيش « سليمان » النبي الملك الذي سيقف بين يديه بعد قليل « هدهد » يلقى محاضرة بليغة عن الوحدانية ويسمعنا أصوات الأمم الغابرة وهم يجادلون رسلهم قبل أن يطويهم النسيان وتأتى إلينا أصواتهم وهم يتخاصمون في النار .
هاهنا ليس ثمة ماض ولا آت بل كل شئ حاضر الآن في تيار واحد يأخذ الجميع في جريانه الدائم ولا يخرج من قبضته أحد . هذا رغم أننا نعلم من التاريخ أن هذه الآيات قد نزلت في أحيان متفرقة تحكمها ظروف مختلفة فكيف ضمها سياق واحد لا تشعر الأذن ولا العقل أنه يتعثر أو يضطرب .
أي شئ يشبه هذا النسق ؟ !
ربما اشتبه على قارئ الأدب مع أسلوب « تيار الوعي » ذلك الأسلوب الذي ابتدعه مجددو الرواية في القرن العشرين وعلى رأسهم « جيمس جويس » وهو الأسلوب الذي يعتمد على طريقة التداعى الحر في وصف مكنونات الشخصية الفنية في الرواية حيث ينتقل الكاتب من ذكر حوار إلى تذكر حادثة قديمة تعود إلى الطفولة ومنها إلى حلم قريب يستدعى وصف منظر خارجي وهكذا يستعمل الروائي الكلمات كمصباح يكشف به عن باطن الشخصية محاولا رسم صورة بالألفاظ لخزائن الذاكرة الإنسانية .
إننا في تيار الوعي نظل منحصرين في عوالم ضيقة هي أفكار شخصيات الرواية التي يعتريها الاضطراب وتدخل المشاهد في ضبابية معتمة ويتعثر السياق ويتعسّر علينا الفهم ولا يطمع الكاتب في أن يثرى عقولنا بقدر ما يحاول أن يشعر وجداننا بما يعترى أبطاله من تغيرات مستمرة عبر مرور الزمن وكثيرا ما يجشمنا الكاتب عناء معاينة جم غفير من التفاصيل التافهة .
أما في « تيار الوحي » الذي يأخذنا فيه النص القرآني فإننا ندخل عوالم واسعة مدهشة تسع الدنيا والآخرة وتمر علينا الأحقاب المتطاولة لا نشعر بوطأة سريانها نطير في خفة خافية من الماضي السحيق إلى المستقبل البعيد دون أن نغادر مكاننا أو نضطر إلى تحريك أجنحتنا نعاين علما محيطا بكل شئ يتبين ما يحدث في السماوات بقدر تبينه لما
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 33
مساهمون: توحيد عبد الفتاح الزهيري
ص٣٣