تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢

( 2 ) تيار الوحي

عندما يفتح الإنسان المصحف ليقرأ القرآن راغبا في أن يتعرف على ما يقوله لعله يصل إلى مضمونه فإن أول وأقوى ما يجذب « عقل » المتأمل هو السياق القرآني الفريد الذي لا يوجد له مثيل في أي « نص » آخر مكتوب بأي لغة من لغات البشر . فإذا كان « القرآن » يبدأ بفاتحة الكتاب التي في جوهرها ثناء وتمجيد للّه ينتهى بدعاء وهي بداية مناسبة تماما لكتاب ديني يظن العقل لأول وهلة أنه سيحتوى على الصلوات والطقوس وتفاصيل الشريعة كأسفار الخروج واللاويين والتثنية من أسفار التوراة المنسوبة لموسى « عليه الصلاة السلام » إلا أن العقل يفاجأ في الصفحة الثانية مباشرة بالحروف المثيرة التي تبدأ بها سورة البقرة وعديد من سور القرآن . إن هذه الحروف التي يجب أن تقرأ مقطّعة منفصلة عن بعضها تعطى القلب انطباعا قويا أنها إشارات إلى أسرار غائبة لم يحن الوقت بعد للكشف عنها أو هي رموز لحقائق غامضة على العقل المتدبر أن يجتهد لتجليتها . إنها بداية غريبة ومشوقة تثير الفؤاد المتحفز لاقتناص المكنونات البعيدة ثم يمضى النص واصفا موقف البشر من الوحي وكيف ينقسمون إلى مؤمن وكافر ومنافق ذاكرا خصال كل صنف وينتقل السياق دون أن تنتبه الأذن إلى بدايات خلق السماوات والأرض ويقص علينا نبأ الإنسان الأول « آدم » وامتحان الملائكة والفتنة التي انتهت بالنزول إلى الأرض مؤذنة بفجر الدنيا ويتقدم السياق إلى الإمام آلاف الأعوام دون أن يشعر القارئ بأي قلق أو اضطراب كأنه تحرك ما لا يحصى من السنين دون أن يمشى خطوة واحدة فيكشف لنا عما فعله بنو إسرائيل مع « موسى » رسولهم بين مصر والشام قبل أن ينزل القرآن بما يقرب من ألفي عام لكنه يحضر الأحداث أمامنا حية ساخنة كأنها تقع الآن رغم مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام ودون أن نحس بمرور الزمن كما لو كنا قد أصبحنا خارجه أو أننا حقا قد تحررنا من قبضته نشهد تحطم بنيان هذا الكون وموته ونرى كيف يولد من بعده كون جديد تتبدى لنا مشاهده رائعة مروعة دقيقة المعالم واضحة التفاصيل نسمع فيها صرخات الذين حقت عليهم كلمة العذاب وهم يجأرون من الألم ويلهثون من العطش ويتلوون من الجوع فلا يشربون إلّا الحميم والصديد ولا يأكلون إلّا الغسلين والزقوم ولا حميم ولا شفيع ولا رحيم ونرى المكرمين على الأرائك متكئين يدعون بكل فاكهة آمنين تحت الظلال الوارفة والحور مقصورات في الخيام ينتظرن في شوق اللقاء وبين المشاهد الرائعة