البردة للبوصيرى التي كانت المثل الذي احتذاه كثير من الشعراء فنسجوا على منوالها قصائد عدة ، لعل أشهرها قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقى « نهج البردة » .
أما في النص القرآني فإننا رغم الإحساس العالي بالموسيقى الباهرة التي تنبعث من النص عند الترتيل فإننا لا نستطيع أن نميز بين المعنى والصوت أو بين الدلالة والإيقاع فلا يمكننا أن نضع كلمة أخرى لها نفس المعنى والوزن مكان الكلمة القرآنية فالمعنى والصوت والدلالة والإيقاع يلبس كل منهما الآخر كالقلب والجسم لا نستطيع أن نفصلهما وإلا حدث الموت .
والدليل الذي لا يقهر هو عجز أعظم الشعراء وأبلغ الناثرين عن أن ينسجوا قصائد أو مقطوعات نثرية على « منوال » القرآن الذي ظل طوال ألف وأربعمائة عام المثل الأعلى للبلاغة كما أقر بهذا العرب والعجم قديما وحديثا والسر أن القرآن لا يسكب ألفاظه في قوالب سابقة التجهيز كما يفعل الشعر إذ لا يوجد « منوال » سابق ينسج القرآن ألفاظه عليه وهذا برهان ذوقي لا يدحض وهو قاطع لكل شك على انعدام « الصنعة » في النص القرآني الذي تبدو فيه الموسيقى منبعثة من داخل الكلمات أو من قلب الألفاظ وليس من خارجها ومن تآلف الأصوات ( - الحروف ) وتزاوجها وتناسق المقاطع في سياق عجيب محكم يهز القلوب ولا يستطيع المستمع أن يشير إلى الينبوع الذي تندفع منه الموسيقى الباهرة عند الترتيل .
إن الإعجاب يولد الرغبة في المحاكاة وكانت الروائع الأدبية دائما مثار تقليد إلا أن القرآن يبقى دائما نموذجا فريدا لا يقبل التكرار .
فكما لا يستطيع أي مخلوق أن يخلق كائنا حيا كذلك لا يقدر إنس ولا جان على محاكاة القرآن المجيد .
لقد اعترف كل المستشرقين الذين أتيح لهم أن يقرءوا ويسمعوا القرآن اعترفوا باستحالة ترجمته حرفيا واستحالة أن تقوم أي ترجمة مهما بلغت دقتها وإخلاصها مقام الصورة المناظرة للنص العربي لأن هذه الموسيقى البديعة ستختفى حتما في الترجمة ومن هنا يتبين لنا حكمة الخالق العلى القدير الذي اختار اللغة العربية لتكون وعاء مشهودا لكلامه
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 30
مساهمون: توحيد عبد الفتاح الزهيري
ص٣٠