تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
هذا بيت من الشعر بلا جدال وقد نطق به النبي العربي في تلك اللحظة العصيبة عند اندحار جيشه ووقوفه وحده مكشوفا يقاتل الأعداء بسيفه . في هذا البيت نسمع صوت « محمد » الإنسان العربي المفطور على حب الشعر والذي لم يملك وجدانه العربي الأصيل إلا أن يستجيب لهذا الموقف الهائل ببيت صغير ووحيد من الشعر ولو كان « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم شاعرا حقا لاستطاع أن ينظم قصيدة رائعة تناظر تجربته المروعة وسيوف الأعداء توشك أن تقطر من دمه ولكنه لم يكن شاعرا لذلك توقف عند البيت الأول . الذي يعنينا هنا أن هذا البيت الذي قاله « محمد » الإنسان لم يضف إلى أي سورة من سور القرآن ولن نجد لتجربته النفسية أي أثر في صياغة الآيات التي عبرت عن سير هذه المعركة . يقول القرآن :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ
( 26 ) « 1 » هنا يختفى صوت « محمد » الإنسان الذي جاشت نفسه ويظهر لنا صوت آخر لا ريب أنه اللّه الحكيم القدير الذي يخاطب المؤمنين بلسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ملقيا إليهم بالموعظة يطمئنهم على دوام تأييده ويتوعد الكافرين بعظيم عذابه . لا تخطئ عين ولا أذن الفرق الشاسع بين صوت المتكلم بالقرآن وصوت « محمد » الإنسان . ثانيا : لا بدّ للشعر أن يصب الألفاظ في قوالب إيقاعية هي البحور أو التفعيلات لكي يحدث الأثر السمعي الذي يهب للشعر جوهره وإلا تحول إلى نثر فلا شعر دون موسيقى تدركها الأذن بمجرد إلقاء الكلمات ولكننا نستطيع دوما أن نميز بين المعاني والأصوات بمعنى أننا نشعر بأن الموسيقى تصاحب الدلالات فيبدو لنا الشاعر وهو يسكب الألفاظ التي تحمل المعاني المعبرة عن التجربة في الأواني الإيقاعية الفارغة والتي يمكن أن تملأ بألفاظ أخرى على نفس الوزن وهذا برهان « الصنعة » ومهما كانت براعة الشاعر وقدرته على اختيار الألفاظ المناسبة وصدقه المتأجج وبعده عن التكلف الزائد أو الزخرفة والتنميق ومهما بلغت موهبته فإننا نظل قادرين على التمييز بين المعنى والصوت بين الدلالة والإيقاع ولذلك كانت روائع الشعر دائما مثلا يحتذى يقوم الشعراء بتقليدها إذ يعمدون إلى قصيدة مشهورة ويحاولون أن ينسجوا على « منوالها » قصائد من نفس البحر وعلى نفس القافية وفي نفس الغرض أو الموضوع أو في غيره وتكون تلك القصائد المتناظرة المنسوجة على « منوال واحد » موضع التنافس بين الشعراء أيهم أجود . والمثل الأشهر على هذا هو قصيدة
هامش
( 1 ) سورة التوبة الآية ( 25 - 26 ) .