حياة حافلة كانت جديرة بإنتاج أروع القصائد الإنسانية لأنها بالفعل كانت أروع التجارب الإنسانية على هذا الكوكب الأرضي ولكننا لن نجد أثرا يذكر لهذه الحياة الإنسانية في آيات وسور القرآن التي تظهر بجلاء أنها تتجاوز حياة الرسول الشخصية .
في غزوة « حنين » قبيل نهاية عمره فوق هذه الأرض وقد صار المسلمون قوة واستتب لهم الأمر في جزيرة العرب فاعتدوا بأنفسهم فلما حمى وطيس المعركة امتحنهم اللّه ففروا من حوله وتركوه وحده وسيوف الأعداء ورماحهم تحيط به من كل جانب كان « الهلاك » يبدو أقرب شئ لا يبعد أكثر من ضربة بسيف أو طعنة برمح إنها تلك اللحظة الحاسمة التي يواجه فيها الإنسان مصيره عارى الصدر . أمام الموت وجها لوجه دون أي حجاب يحدق في جوهر حياته ومغزى وجوده . نزل عن بغلته وتقلد سيفه وقام يقاتل الأعداء مقام الجيش كله . انطلق صوته قويا مهيبا كأنه شمس هائلة تبدد الظلمات دفعة واحدة .
« أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب »
« 1 » .
سرى صوته كالرعد نافذا من بين السيوف التي أحاطت به فانتبه « المؤمنون » من موت فرارهم وخذلانهم وقاموا مسرعين وقد انتعش الأمل بقلوبهم في نصر اللّه وكان اليأس قد أوشك أن يقتلهم إذ طارت فيهم مقولة الأعداء « محمد قد مات » فجاء صوته دليلا حيا على حياته وكان قتاله وحده برهانا ساطعا على شجاعته التي لا نظير لها . إنه القائد الشجاع الذي يستحق الفداء . هكذا خاطبه جان جاك روسو عابرا حجاب الزمن « 2 » « أيها النبي رسول اللّه خذ بيدنا إلى مواقف الشرف والفخار أو مواقع التهلكة والأخطار فنحن من أجلك نود الموت أو الانتصار » .
ولقد نجت الإنسانية كلها من هول الطامة الكبرى التي كانت ستحل بهذا الكوكب الأرضي لو أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم قد لقى حتفه شهيدا في غزوة حنين .
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
هامش
( 1 ) صيغة الحصر في الحديث الشريف التي توحى بمعنى « لا نبي غيرى » تلمح إلى أن الأنبياء من قبله إنما كانوا بمثابة وكلاء عنه أو نواب ينوبون عنه من قبل ظهوره فلما ظهر في صورة « محمد » بن عبد اللّه بمكة المكرمة أغلق باب النبوة إذ لا معنى لعمل الوكيل في حضور صاحب الأمر ونفهم من هذا أن النبي « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم هو أصل النبوة وأن ظهوره قد أغلق بابها ومن ثم فإن ختم النبوة حقيقة يؤكدها النص .
( 2 ) كتاب الإسلام : خواطر وسوانح ص 20 تأليف الكونت هنرى دىكاسترى .