ولما كان القرآن يخلق لدى المستمع نفس اللذة السمعية أو الطرب الذي يصنعه الشعر الجيد بل على نحو أعمق وأقوى فإن المتشككين في « إلهية » القرآن وصموه بأنه شعر وقالوا عن « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم « شاعر مجنون » « 1 » وقد رد اللّه عليهم نافيا أن يكون القرآن شعرا .
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ
« 2 »
وقال :
وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ
« 3 »
والسؤال - بغض النظر عن دفع اللّه للاتهام - هل القرآن شعر ؟ !
نريد إجابة موضوعية تعتمد على تحليل النص :
أولا : ينبغي للشعر الحقيقي الذي يستحق هذا الاسم فعلا أن يعبر عن تجربة إنسانية عميقة خاض الشاعر غمارها بنفسه أو استطاع بموهبته أن يتقمص شخوص الذين خاضوها فيتمكن بقدرته ومهارته أن يتكلم على ألسنتهم أو يجعلهم ينطقون بصوته لأنه إذا فقد الشعر التجربة الشعورية ( الوجدانية العقلية ) فقد فقد هويته وتحول إلى مجرد « نظم » أي كلمات محايدة باردة قد صبت في قوالب إيقاعية .
لا بدّ أن نرى في الشعر تجارب « الشاعر » وأزماته الوجدانية والفكرية ولحظات يأسه وفرحه فأين حياة « محمد » الشخصية وتجاربه الإنسانية العميقة أين نجدها في القرآن ؟ !
لقد خاض « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم كإنسان حياة عميقة مضطربة زاخرة بالابتلاءات الكبيرة إذ ثار على شعب وثنى داعيا إلى التوحيد مقوضا أركان المجتمع الذي عاش فيه وخاض حروبا ضارية وتعرض للإيذاء والإهانة وحاولوا اغتياله أكثر من مرة وفقد كل أطفاله الذكور إذ ماتوا قبل أن يشبوا فضلا عن أنه قد عانى اليتم منذ نعومة أظفاره وفارقته امرأته الحبيبة بالموت في أدق لحظة من حياته وهو يتعرض لمطاردة السوقة والسفهاء والأطفال المشاغبين في قبيلة بنى ثقيف وفقد عمه في نفس الوقت وقد كان في أشد الحاجة إلى مؤازرته . . . .
هامش
( 1 ) « ويقولون أننا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون » - الصافات الآية ( 36 ) .
« أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون » الطور الآية ( 30 ) .
« بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر » الأنبياء الآية ( 5 ) .
( 2 ) سورة يس الآية ( 69 ) .
( 3 ) سورة الحاقة الآية ( 41 ) .