تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
نطقتها وهي تحاكى صوتي محاولة النطق الصحيح بقدر ما يسمح عمرها الصغير . تبسمت ضاحكا وأنا أتأمل في سر هذا القرآن البديع الذي أطرب هذه الطفلة الصغيرة دون أن تفقه كلماته . من المؤكد أنها لا تعرف معنى الألفاظ ولا عن أي شئ تتحدث الآيات فعمرها الصغير يحول بينها وبين إدراك معنى الكفر والشرك وأهل الكتاب وكيف لها أن تفهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو البينة التي ستقيم الحجة على المشركين وكفار أهل الكتاب من اليهود والنصارى وهل يمكن لها أن تدرك معنى « منفكين » هذه والصحف المطهرة والكتب القيمة ! ! وليس في الآيات « سجع » يمكن أن تلتقطه أذنها بينة . . . نة مطهرة . . . رة قيمة . . . . . مة ولا تكرار ولا أية زخارف سمعية فما هو السر في هذا الطرب ؟ ! ولاح لي أن السر يكمن في الإيقاع ( أو الوزن ) وفي اختيار الأصوات ( - الحروف ) التي تبنى بها الآيات وترتيبها في تناسق يحدث هذا الأثر الموسيقى الجميل . ومعنى هذا أن المتكلم بالقرآن لديه دراية كاملة بإمكانيات الحروف وطرق تزاوجها وترابطها لتكوين الألفاظ وهو في الوقت نفسه على علم تام بالمعاني أو الدلالات الدقيقة التي تشير إليها الكلمات وأنه حين يتكلم يختار الألفاظ التي تؤدى المعاني التي يريدها بالضبط وفي نفس الوقت يخلق متعة سمعية لدى المخاطب فهو لا يقصد مجرد إبلاغ المعنى أو الرسالة بل يحب إمتاع السامع الذي جاء إليه منصتا . إن الميزة الأساسية التي يتصف بها الشعر وتعد الحد الفاصل الذي يفرقه عن النثر هي استعماله للألفاظ باعتبارها « أصوات » بالإضافة إلى دلالتها اللغوية أي معانيها لأن الشاعر يطمح ليس فقط إلى الإفصاح عن المعنى المعبر عن تجربته بل أيضا إلى إحداث نوع من اللذة السمعية لدى المتلقى يحاول بها أن يدفعه إلى مشاركته في تجربته الوجدانية الفكرية .
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 26 | توحيد عبد الفتاح الزهيري