تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
الإنسانية إلى ثلاث دوائر أو مجالات متميزة عن بعضها ولكنها متصلة ومتمازجة ومتداخلة لأنها تنتمى في الأصل إلى كائن واحد وهذه الدوائر أو المجالات هي : 1 - الوجدان : وهو آلة الشعور الإنسانى ومستودع العواطف والمشاعر والانفعالات مثل الحب والكراهية واللذة والألم والأمل واليأس والفرح والحزن والأسف والشفقة والحسد والخوف والأمن والقلق والاطمئنان والغضب . . . ، والوجدان يدرك الجانب الخفي أو الوجه الباطن من الأشياء بمعنى أنه لا يعرف الأشياء باعتبار ظواهرها البادية للحواس وخصائصها المفهومة بالعقل فقط ولكنه ( - الوجدان ) يتعرف على الكائنات بمدلولها الإنسانى الشخصي أيضا يعنى بما تؤديه من دور في تجربة الإنسان الذاتية فهو ينظر إليها باعتبارها شريكة له في الحياة تقاسمه التجارب وتشهد عليه فهو يحب هذه الشجرة التي شهدت لقاءه الأول مع حبيبته ويكره هذا الوجه البغيض الذي شاهده يوم ماتت أمه ويمقت تلك الكلاب التي نبحته ليلة عاد إلى قريته بعد غياب طويل عندما هطل المطر فسقط في الأوحال . هكذا يعرف الوجدان الأشياء ويتعرف على الكائنات بدلالة التجربة الإنسانية أو هو ينظر إليها باعتبارها رموزا أو إشارات لحقائق أكبر من ظواهرها وهو ( - الوجدان ) في هذا النظر يشترك مع العقيدة الدينية التي تنظر إلى الأشياء باعتبارها آيات تدل على الخالق وإشارات لصفاته ووسائل لإرادته فالعقيدة تنظر إلى الكائنات باعتبارها رموزا للحقيقة الكاملة ألا وهي « اللّه » جلّ في علاه .
هامش
- أو الاتصال ويتفكك الإنسان فتعود النفس إلى كتاب اللّه الحاوي لعلمه ( سبحانه وتعالى ) باعتبارها كلمة من كلماته ويؤول الجسد إلى « بدن » « أي جثة » يتحلل بمرور الوقت ( الزمن ) عائدا إلى تراب كما بدأ . ( ج ) الجسد : هو كتلة الطين التي دخلها الروح فارتدتها النفس بقوة الروح ( سر الحياة ) فظهر الجسم على هيئة أو صورة آدم أبى البشر وبذلك اكتسبت النفس بقوة الروح صورة هي الجسم وبكلمات أخرى تشكل الجسد وتحول إلى جسم فالجسد هو المادة الحية والجسم هو الصورة التي يتشكل فيها وعندما يفارق الروح ( سر الحياة ) الجسد فإنه يسمى « بدنا » قال تعالى لفرعون بعد أن غرقفَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةًوالمفهوم أن البدن هنا هو الجثة التي طفت على الماء والتي بقيت من جسد فرعون بعد أن مات أي بعد أن فارق الروح نفسه . فإن تشوه الجسم عند الموت كأن قطعت رأسه أو بتر عضو من أعضائه أو تناثرت أشلاؤه فإنه لا يسمى « بدنا » بل يصبح سوأة . قال اللّه على لسان قاتل أخيه بعد أن هشم رأسه بحجر ثقيليا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي. ولما كانت النفس عند نزولها - بقوة الروح - في الجسد للابتلاء لا ينقطع اتصالها بالغيب تماما بل أنها تظل على صلة به ومن ثم يصبح لها حينئذ وجهان أو جانبان ، الأول ظاهر محسوس وهو الصورة الآدمية المرئية بالعين وهو ما يسمى « الجسم » والثاني باطن خفى أو لطيف وهو الذي يشار إليه في القرآن « بالقلب » وذلك الجانب من النفس هو الذي يتلقى الوحي في الأنبياء ويتصل بالملائكة ويصل إلى « اللّه » في الصلاة وهو موضع نظر اللّه قائما بين يديه يقلبه بين إصبعيه كيفما يشاء سبحانه وتعالى . يمكن مراجعة الباب الثاني من كتابي « نحو فلسفة إسلامية للجمال والفن » من منشورات دار القلم بالقاهرة لمزيد من البيان ولا شك أن الأمر يحتاج إلى دراسة موسعة لبيان مفهوم النفس وماهية الإنسان في القرآن وندعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى إنجازها .
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 20 | توحيد عبد الفتاح الزهيري