لم يطلب القرآن من الإنسان إلّا أن يستمع وينصت فحينئذ سيصل إلى الحقيقة بنفسه وسيعرف بمفرده ودون أن يحتاج إلى مساعدة أحد أن هذا الكلام هو حديث اللّه رب العالمين
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
( 204 ) « 1 » ودعانا إلى تدبره يعنى إطالة نظر الفكر فيه وقراءته بتمعن مرة بعد أخرى جيئة وذهابا .
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 29 ) « 2 »
وعاب عليهم إهمالهم القرآن وانصرافهم عنه مما أدى إلى بقاء قلوبهم مغلقة دون الحياة الحقيقة .
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
( 24 ) « 3 »
وقد أثبتت ملايين التجارب الحية عبر ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام منذ نزول القرآن هذه المرة إلى الدنيا أنه ما من مرة يمسك فيها الإنسان بالقرآن راغبا في الإنصات إليه باحثا عن الحقيقة إلا وهزه القرآن بأسلوبه ومحتواه أو بشكله ومضمونه هزا عنيفا محضرا أمامه « الحقيقة » وجها لوجه .
بهذا نطق العرب والعجم قديما وحديثا .
يقول « 4 » « ر . ل . بلاشير » الفرنسي أستاذ الأدب العربي ومترجم القرآن إلى الفرنسية في ثلاثة أجزاء « إن القرآن ليس معجزة بمحتواه وتعاليمه فقط إنه أيضا يمكنه أن يكون قبل أي شئ آخر تحفة أدبية رائعة تسمو على جميع ما أقرته الإنسانية وبجلته من الروائع » - ألا نلمح هنا نفس كلمات الوليد بن المغيرة « إنه يعلو ولا يعلى عليه » .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف الآية ( 204 ) .
( 2 ) سورة ص الآية ( 29 ) . والبركة دوام الحياة « والمبارك » هو الخالد الذي لا يقطع حياته موت ومعنى بركة القرآن هو أنه يفيض دوما بالحياة على المنصت إليه المتمعن فيه فهو « الروح » الذي يهب القلب الحياة إذ يفيض عليه بالعلم والمعرفة ويقوده في طريق الصعود إلى واهب الحياة الحي الذي لا يموت . وانظر إلى قوله « وليتذكر » وتذكر ! .
( 3 ) سورة محمد الآية ( 24 ) .
( 4 ) ترجمة القرآن الكريم ص 102 - 103 نقلا عن الملحق الذي أضافه الدكتور عماد الدين خليل إلى كتاب إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز للأستاذ سعيد النورسى - والنقول التي سترد في هذا الباب من نفس المصدر ما لم يذكر غير هذا .