فاجتمعوا حوله ووقفوا منصتين إلى ما سيقول فأراد أن يأخذ منهم الإقرار بصدقه وأمانته فقال لهم : لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل جيشا أكنتم مصدقى ؟ ! . . . قالوا : ما جربنا عليك كذبا قط . . . قال : فإني رسول اللّه إليكم بين يدي عذاب شديد . فانبرى أبو لهب يسبه مستهزئا به قائلا : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ .
لا يبدأ الزعيم السياسي الباحث عن جمع الأنصار لا يبدأ خطابه بالإنذار والوعيد بل نراه دوما وفي كل العصور يبشر شعبه بالسعادة الغامرة التي سوف تهبط عليهم بمجرد أن يرفعوه إلى كرسي الحكم ويسلموا إليه قيادهم . هذا هو سلوك القائد السياسي أما أن يبدأ « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم خطابه بالتخويف من عذاب شديد فهذا دليل إضافى على أنه حقا نبي لأنه كذلك فعل الأنبياء كلهم لقد وبخوا أقوامهم على خطاياهم وأنذروهم عذاب اللّه الشديد .
وعندما رد القرآن على سباب أبى لهب بسورة المسد :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ( 2 ) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ( 3 ) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ( 4 ) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
( 5 ) « 1 » .
عندما فعل هذا فإنه قد قطع أمل أبى لهب في الإيمان وحدد مصيره الأبدي في جهنم منذ اللحظة الأولى من الرسالة وضمن عداءه حتى النهاية . الشيء الجوهري هنا هو أنه لم يخش انقلاب حال أبى لهب فربما يقدم على إعلان الإسلام الأمر الذي فعله الكثيرون من صناديد قريش ولو فعل أبو لهب هذا لأوقع « محمدا » في ورطة كبرى إذ كان سيضطر لا محالة إلى حذف هذه السورة البديعة من القرآن لتتفق مع توبة أبى لهب ولكن القرآن كان واثقا من نفسه متأكدا من علمه فعيّن مصيره الأبدي منذ اللحظة الأولى ولم يخش الاضطرار إلى تغيير نصه لأنه يصدر عمن أحاط بكل شئ علما .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
( 1 ) « 2 » .
وبدأ زمن الاضطهاد حيث أصبح كل يوم يشهد جلد المؤمنين بالسياط على رمال الصحراء الحارقة والحبس والقتل والتسخير والسباب ووضعت الأشواك في طريق النبي والقاذورات على ظهره وهو ساجد بالبيت الحرام ولكن لم يغير كل هذا من إيمانه شيئا .
وفي أتون هذه الفتنة المشتعلة انقطع « الوحي » على حين فجأة ولم يعد « محمد » يتلقى كلاما جديدا وأصبح مثار سخرية القوم وموضع استهزائهم الشامت « لقد هجرك
هامش
( 1 ) سورة المسد : الآيات ( 1 - 5 ) .
( 2 ) سورة الكهف الآية ( 1 ) .