فقال « الرسول » صلّى اللّه عليه وسلم لمّا اكتمل إيمانه « لا أشك ولا أسأل » .
لقد عانى « الرسول » صلّى اللّه عليه وسلم كإنسان من الشك وقد تكوّن إيمانه يوما بعد يوم حتى تحول إلى يقين ملأ قلبه . إذن فالقرآن حقيقة تتجاوز « محمدا » الإنسان وقد فرضت عليه فرضا تأمل في قوله :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 85 ) « 1 » .
وهذا الفرض يتضح من ملاحظة حال « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم حين يأتيه الوحي . إنها المرة الأولى والأخيرة في التاريخ البشري التي يتيح اللّه فيها للبشر أن يروا « النبي » عند تلقى الوحي أثناء تنزله عليه .
لقد ذهب « موسى » إلى الجبل في ميقات ربه وتلقى « التوراة » دون أن يراه أحد من بني إسرائيل ودخل « عيسى » إلى جبل الزيتون وتلقى هناك الإنجيل « التبشير » ولم يره أحد من الشعب اليهودي بالضبط كما لم يشهد أحد من العرب « محمدا » وهو يستمع إلى الوحي لأول مرة في غار حراء ولكن بعد ذلك صار الوحي ينزل على « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم علانية أمام الناس فلقد جاءه الوحي وهو جالس مع أصحابه وأحيانا وهو يقود المعارك يلتف حوله كبار رجاله ومرات عديدة أثناء سفره راكبا ناقته ووصف لنا هؤلاء الشهود ما رأوه فقالوا إنهم كانوا يسمعون مثل دوى النحل عند رأسه صلّى اللّه عليه وسلم وكانوا يرون جسمه وهو يرتجف ويتقلص حتى إن أحدهم كان يجلس ذات مرة بجوار النبي فلما نزل الوحي عليه صلّى اللّه عليه وسلم تصلبت فخذ النبي وضغطت على فخذ الصحابي حتى أوشكت أن تكسرها وكانوا يشهدون غياب وعيه بهم ويعاينون العرق الغزير وهو ينضح من وجهه المشرق المتألق في اليوم شديد البرد وقد بدا على ملامحه ما يعانيه من الألم والمشقة وكان يشكو أحيانا من الصداع الشديد الذي يعتريه عند قدوم الوحي الذي يعلن له عن اقترابه بصوت شديد يقرع سمعه يشبه صلصلة الجرس وإذا جاءه الوحي وهو راكب ناقته تهاوت وسقطت على الأرض بلا حراك فهل كانت الناقة البريئة تشارك « محمدا » في تأليف القرآن وتساعده على إتقان الكذب ؟ !
سيقول بعض أدعياء الثقافة من المتعالمين : إن هذه الحال تشبه حال المصابين بالصرع أثناء نزول نوبة المرض عليهم ولكن لم يحدث أبدا أن خرج المصروع من النوبة ليتلو علينا مثل هذا الحديث البديع الذي يفيض بالعلم والجمال وينبئنا بأخبار الماضي السحيق الموغل في القدم بنفس الوضوح الذي يتحدث به عن أحداث لم تشهدها الدنيا بعد ! ! .
هامش
( 1 ) سورة القصص الآية ( 85 ) .