لم يكن يقلقه سوى « الحقيقة » الكامنة وراء الأشياء يريد الوصول إليها لذلك كان يستأذن من امرأته الحبيبة ويذهب إلى الجبال ليخلو إلى نفسه في الغار الليالي ذوات العدد لعل العزلة تساعده على صفاء الذكر ووضوح الفكر .
من المؤكد أن هذا هو سلوك الأنبياء الذين وجدوا أنفسهم دوما في حاجة إلى الخروج والاعتزال في أحضان الجبال وكذلك يفعل كل الرجال الباحثين عن الحقيقة أما الكذابون الباحثون عن الشهرة أو المال فمكانهم النوادي والأسواق وفي عصرنا يتوجهون إلى وسائل الإعلام .
لقد فاجأه « الوحي » أول مرة وهو في عزلته بغار حراء على مقربة من مكة إذ رأى بغتة طائرا هائلا يملأ جناحاه الأفق ينزل عليه ويضمه إليه وكأن الغار قد زال مع الجبل أو كأنه قد خرج منه دون أن يدرى وقام بالأفق وسمع الصوت يقول له : « اقرأ « 1 » » وهو الأمى العاجز عن القراءة والكتابة .
كاد يختنق وهو يشعر أن نفسه قد تزهق من وطأة الضغط على قلبه . على هذه الحال المفزعة تلقى أول فوج من الوحي وكان الأمر صدمة مروعة له وخاف على نفسه الجنون ففر يجرى من الجبل لا يلوى على شئ قاصدا بيته حيث امرأته الحبيبة يريد أن يقص عليها ما حدث . وصل وهو يلهث ورأسه المحموم يغلى وجسمه يرتجف يقول « زملوني زملوني » دثروني دثروني « 2 » فلفوه بالأغطية ثم طلب منهم أن يصبوا عليه الماء فسكبوا عليه ما استطاعوا أن يأتوا به وظل على هذه الحال ساعة من الزمن ثم هدأ وأخذته سنة من النوم . ولما أفاق قص على « خديجة » الحكيمة ما وقع له فطمأنته على نفسه وقالت له إن اللّه لن يخذله أبدا لأنه يكرم الضيف ويغيث الملهوف ويعين على نوائب الدهر أي يساعد الذين في حاجة إلى المساعدة .
الجدير بالملاحظة هنا هو أن « الوحي » كان مفاجأة مفزعة له شعر في أعماق قلبه
هامش
( 1 ) سورة العلق الآية الأولى .
( 2 ) لقد كشف لقلبه دفعة واحدة وعلى حين بغتة حقيقة نفسه فأذهله ما رأى ولم يكن عقله ( فؤاده ) قد تهيأ بعد لتلقى الحقيقة فأصابه الاضطراب وأراد أن يعود إلى الاستتار الذي ألفه فصاح وهو يهرول إلى بيته « زملوني . . . زملوني . . . دثروني . . . دثروني » يريد أن يعود إلى غطائه الذي اعتاده ولكن هيهات وقد أسفر صبح الكشف وأبى الله إلا أن يتم نوره .