أنها ستحدث اضطرابا هائلا في حياته المستقرة ولم يكن في « الحادث » أدنى درجة من الانتظار أو التوقع أو الاستعداد . وإلى هذه المفاجأة الكاملة أشار القرآن إذ قال له :
وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
« 1 » .
ما كان يخطر على قلبك أبدا أن يكلمك اللّه وينزل عليك وحيه وما وقع هذا إلّا بدافع من رحمة ربك بك وبالخلائق كلها من بعدك .
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 52 ) « 2 » .
ولقد استندت المرأة الصالحة « رضى اللّه عنها » في بث السكينة في قلب زوجها على خلقه الرفيع واتصافه بسجايا كريمة توجب له رحمة اللّه وعنايته ونصره فهل يمكن أن يكون الصادق الأمين الذي اتفق الجميع على خلقه العظيم هل يمكن أن يكون كاذبا ؟ !
ولكن الرجل صلّى اللّه عليه وسلم لم يكتف بهذا بل كان يطلب التيقن لنفسه فذهب مع امرأته إلى الشيخ « ورقة بن نوفل » قريبها المعروف بسعة اطلاعه على أقوال أهل الكتاب ليعلم رأيه فيما حدث فأخبره الشيخ أن ما جاءه هو الوحي الذي ينزل على الأنبياء وأنه يشبه « الناموس » الذي نزل على « موسى » بن عمران ونصحه بأن يستعد للابتلاء العظيم .
إذ سيتعرض للإيذاء والاضطهاد من قومه . من المؤكد أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم قد اطمأن على نفسه بعد حديث « ورقة » ولكن من المؤكد أيضا أن الخوف قد بدأ يتسلل إلى قلبه من المستقبل الغامض الذي يبدو أنه يحمل في جوفه المعتم الكثير من المتاعب .
وبالفعل بدأت المتاعب منذ اللحظة الأولى التي تلقى فيها الأمر بإبلاغ الرسالة إذ قال له :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
( 214 ) « 3 » .
فوقف على جبل الصفا في صباح يوم مشرق وصرخ بأعلى صوته كأنه مسعّر حرب « يا صباحاه يا صباحاه » نداء تعرفه قريش يطلقه كل من يريد إبلاغ القوم بأمر هام
هامش
( 1 ) سورة القصص : الآية ( 86 ) .
( 2 ) سورة الشورى : الآية ( 52 ) .
( 3 ) سورة الشعراء : الآية ( 214 ) .