تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
ولقد اختلف رأى « الرسول » صلّى اللّه عليه وسلم الإنسان في مواضع معلومة مع حكم القرآن ، وأعلن هذا الاختلاف على الملأ في سور القرآن نفسه ، ولم يملك الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إلّا أن يذعن لحكم اللّه الوارد في القرآن ويتخلى عن رأيه رغم ما قد يسببه هذا التنازل من حرج شديد له بين القوم خاصة حديثي العهد بالإسلام والذين في قلوبهم مرض والمنافقين . لم يملك إلا أن يرضخ طواعية لحكم القرآن مفصحا بهذا عن تجاوز القرآن وعلو قدره فوق شخصه الإنسانى العظيم وتقبل في كل مرة عتاب اللّه له النازل في القرآن دون أن يملك أدنى إرادة أو قدرة على تغيير النص القرآني الذي سيظل يتلى ويدرس في الدنيا حتى تقوم الساعة حاملا هذا العتاب الشديد من اللّه لرسوله الكريم صلّى اللّه عليه وسلم . عندما جاء عبد اللّه ابن أم مكتوم وهو رجل كف بصره عاجز عن الرؤية كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ساعتها يتحدث مع أحد وجهاء قريش يطمع في هدايته ودخوله في الإسلام فعبس وجه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأعرض عن الأعمى لانشغاله بأمر الوجيه القريشى ورغم أن الأعمى لم ير وجه « محمد » عابسا إلّا أن اللّه رأى وأنزل يعاتب رسوله ويلومه على الملأ ويعلمه صلّى اللّه عليه وسلم قائلا :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى
( 10 ) « 1 » . فما كان من « النبي » صلّى اللّه عليه وسلم بعد ذلك إلّا المبالغة في إكرام ابن أم مكتوم والاحتفاء به كأنه يعتذر له عن العبوس الذي لم يره . وعندما جاءته « خولة بنت ثعلبة » تشتكي زوجها الذي ظاهر منها أي قال لها أنت حرام علىّ كظهر أمي وهي صيغة جاهلية من صيغ الطلاق واعتبرها الرسول الإنسان باجتهاده صيغة طلاق مقبولة فحكم بتطليق المرأة بينما المرأة نفسها ترفض هذا الحكم وتعده قسوة لا تليق برحمة اللّه إذ هي في أمس الحاجة إلى رعاية زوجها الذي بدوره في أمس الحاجة إلى رعايتها إذ هو فقير معدم لا يكاد يملك قوت يومه والاثنان الرجل والمرأة صارا شيخين يحتاج كل منهما إلى الآخر . إلّا أن « الرسول » الحاكم الإنسان لم يملك في حدود اجتهاده إلّا أن يحكم بالتطليق رغم احتجاج المرأة وإلحاحها . وهنا نزل القرآن مخالفا حكم الرسول الإنسان صلّى اللّه عليه وسلم إذ حكم ببطلان الطلاق باعتبار أن صيغة الظهار غير مقبولة شرعا بل هي لغو لا يقام عليه حكم شرعي .
هامش
( 1 ) سورة عبس : الآيات ( 1 - 10 ) .
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 124 | توحيد عبد الفتاح الزهيري