من الأسرار قد رفع عنها الستار في حياة العديد من الشخصيات الهامة التي عاشت في زمننا هذا تحت أضواء آلة الإعلام الرهيبة حتى صرنا نتشكك في قدراتنا على معرفة أي إنسان مهما تسلطت أضواء الإعلام على تفاصيل سيرته الشخصية ولكننا في المقابل نستطيع أن نجزم بيقين علمي أننا نعرف عن « محمد » الإنسان الكثير جدا من المعلومات الصحيحة الموثقة بحيث تبدو لنا سيرته العطرة قمرا منيرا في سماء ليلة صافية بل شمسا مشرقة في يوم رائع النهار وعلى سبيل المثال فقط يمكننا أن نقول لا أحد يمكنه أن يعلم أين دفن « موسى » بن عمران عليه الصلاة والسلام حتى أشد اليهود تمسكا بالتوراة لكننا بكل بساطة ووضوح نعلم أين يوجد الجثمان الشريف لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وكيف دفن ومن الذين قاموا بإعداد الجسد للدفن . إن حفظ السيرة النبوية يعد آية إلهية تستحق التأمل العميق .
وسنقوم الآن بجولة استكشافية سريعة في السيرة النبوية لنتأكد من « صدق » محمد صلّى اللّه عليه وسلم حين أعلن على الملأ أن القرآن هو كلام اللّه .
إن حرارة صدقه وهو يبلغ كلام اللّه كانت تنساب من القلب دون رسول أو ترجمان فلا يساور المستمع المنصت شك في أن المتكلم يعتقد حقا أن هذا هو كلام اللّه .
تبدأ السيرة النبوية المقطوع بصحتها بذهابه إلى « الجبال » حيث يعتزل الناس في الغار ويختلى بنفسه عابدا اللّه بالتفكر والذكر طالبا الهداية للوصول إلى الحقيقة .
متى وقع هذا في عمره المضئ ؟ !
على مشارف الأربعين وقد زالت من النفس سورة الغرائز وجموح الأهواء التي قد تجتاح الشباب . لقد كان يحيا في هدوء بعيدا عن صخب « النادي » حيث يجلس وجهاء القوم يتسامرون ويتبادلون الأشعار والضحكات والنوادر وكئوس الخمر لم يذهب إلى الحانات يطلب اللهو حيث يشرب الجميع من كئوس اللذة المترعة ولم تعرف عنه الرغبة في أن يصبح شاعرا مرموقا تتناقل القوافل قصائده المتقنة ولم يعد نفسه ليصبح خطيبا مفوها يحفظ العرب كلماته وحكمه أو سيدا عظيما لا يبرم أمر هام دون مشورته .
بل كان يتحاشى الزحام والصخب في الأسواق يعيش حياة هانئة مع المرأة الجميلة الناضجة التي اختارته وربما وجد فيها حنان الأم التي فقدها منذ طفولته الباكرة .
من المؤكد أنه لم يكن يحلم بالشهرة والجاه في قومه لأن المال والشعر كانا هما الوسيلة في ذلك المجتمع العربي لنيل الشهرة والجاه ولم يحرص على امتلاك أي منهما فقد كان فقيرا ولم يكن شاعرا ! !
لقد عرفه قومه بالصادق الأمين إذ لم يضبطوه ولا مرة واحدة بكذبة ولو كانت صغيرة ولا خيانة ولو في شئ قليل القيمة فصار بالنسبة إليهم المثل الأعلى للخلق الرفيع .