أنه عليه الصلاة والسلام كان يتكلم الآرامية وهي إحدى بنات اللغة العربية . . . الأم التي ولدت كل « الساميات » إن لم تكن هي أم كل اللغات البشرية كما نعتقد .
شئ واحد فقط تركه « المسيح » هو إنجيله ( تبشيره ) الذي لم يعثر له على أثر .
أما « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم فقد وهبنا ثلاثة شهود أحياء باقين على مر الزمان لا يموتون اثنان من إنشائه هما « الحديث الشريف » و « الحديث القدسي » والأول من إنشاء اللّه وهو « القرآن » الذي تلقاه « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم باعتباره نبيا أصواتا مسموعة وتلاه علينا كما سمعه وكتب في المصحف كما نطق به ولا يملك عاقل أن يشك في نسبته إليه والسؤال كيف كان يميز « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم نفسه بين « القرآن » الذي نطق به بلسانه وأملاه على كتّاب الوحي وبين سائر كلامه الذي خاطب به قومه باعتباره رسول اللّه إلى البشر ( الحديث الشريف ) أو صدورا عن مقام « روح اللّه » المتكلم باسمه ( الحديث القدسي ) .
لا بدّ إذن أن « محمدا » صلّى اللّه عليه وسلم كان هو نفسه يتبين في وضوح قاطع لكل شك أن « القرآن » يأتيه من خارج نفسه باعتباره بشرا مخلوقا للّه ومن ثم كان في وسعه أن يميز بين كلامه وبين كلام اللّه ولا يقع في الخلط بينهما ولم يسجل لنا التاريخ حادثة واحدة أزيلت فيها جملة أو حتى كلمة واحدة من « النص القرآن » الذي كان يكتب على العظام والجلود ولحاء الشجر عندما تم اكتشاف أنها من كلام « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم وليست من القرآن بل كان الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وسلم حريصا أشد الحرص على ألّا يقع هذا الخلط المحتمل جدا ممن يكتبون عنه فأوصى في بداية الرسالة ألّا يكتب شئ عنه إلّا القرآن وحده ليضمن حفظ « القرآن » مصانا عن الاختلاط بغيره حتى لو كان كلامه هو نفسه باعتباره رسول اللّه وروحه المجيد .
لقد ظل « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم يعامل القرآن باعتباره حقيقة تتجاوز شخصه الإنسانى ولا يملك إزاءها إلّا الإذعان إليها . لقد أعلن في وضوح قاطع أن « القرآن » هو كلام اللّه إليه وأنه لا يملك إنشاءه من تلقاء نفسه ولا تعديله ولا إجراء أي تغيير فيه ومن حسن حظ البشرية أن اللّه قد ضمن حفظ السيرة الشخصية « لمحمد » صلّى اللّه عليه وسلم في استثناء فريد آخر لم يتكرر في تاريخ البشرية كلها وبهذا الحفظ للسيرة النبوية يمكننا اختبار « صدق » القرآن بالمعيار الخلقي يعنى يمكننا التأكد من تصديق ( - إيمان ) « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم الشخصي واقتناعه التام هو نفسه بأن القرآن هو كلام اللّه إليه وليس كلاما صادرا عن شخصه بامتحان السيرة النبوية التي نعرف دقائقها وأصغر تفاصيلها على نحو لم يتحقق لأي إنسان آخر على هذا الكوكب فإننا نكاد نعرف عن « محمد » الإنسان كل شئ صفاته الجسمية وطريقة مشيته وكلامه وجلوسه وقيامه وما ذا يحب وما ذا يكره وملابسه وطعامه وشرابه ونساءه وأين ولد وأين دفن وكل الأحداث الهامة بين ولادته وموته بل عدد الشعرات البيضاء التي كانت تخالط سواد شعر لحيته فقد أحصاها بعض محبوه ! !
إننا في الحقيقة يمكننا أن نعرف عنه أكثر مما نعرف عن الشخصيات المعاصرة لنا وكم
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 117
مساهمون: توحيد عبد الفتاح الزهيري
ص١١٧