لقد ترك لنا « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم ثلاثة أنماط من الكلام كل منها يعبر عن وجه للحقيقة التي تتعالى على الإدراك .
1 - « القرآن » كلام اللّه المعبر عن نبوة « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم الذي تلقاه سماعا إذ صار في مقام الوحي « أذنا » تسمع كلام اللّه إلى البشرية .
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
« 1 » .
2 - « الحديث الشريف » وهو كلام الرسول باعتباره مرسلا من اللّه إلى الناس مأذونا له بتعليمهم الشريعة والحكمة و « الحديث الشريف » يعد بمثابة تفسير « للقرآن » . . الوحي الإلهى فهو يوضح ما غمض ويفصّل ما أجمل ويجمع في سياق واحد ما تناثر في الآيات المتفرقة .
3 - « الحديث القدسي » وهو كلام النبي الأمى باعتباره « روح اللّه » الذي له وحده أن يتكلم باسم اللّه فيقول في الحديث القدسي ( عبدي لا تخف من ذي سلطان ما دام سلطاني قائما ) أو يقول ( يا ابن آدم خلقتك من مثل هذا . . . ) فالمتكلم هنا هو اللّه والناطق هو النبي باعتباره « روحه » المعبر عنه .
هذه الأنماط الثلاثة ظاهرة فريدة واستثناء لم يتكرر في تاريخ النبوة فقد ترك لنا كل نبي نمطا واحدا من الوحي الإلهى إليه أعطانا « موسى » التوراة التي أوحاها اللّه وكتبها « موسى » على الألواح ثم في « الصحف » التي كتبها بعد تكسيره الألواح ، وقد ضاعت تلك « التوراة » ولم يعد لها من أثر إلّا الكتب التي سطرها البشر بأيديهم فيما بعد وظلوا يغيّرون فيها و « ينقحونها » ويضبطون ألفاظها عبر القرون حتى وصلت إلى « الأسفار » التي بين أيدينا الآن فيما يسمى بالعهد القديم ؛ خليط مركّب ومربك ومرتبك صنعته الآلاف من الأيدي البشرية تحت وطأة الظروف التاريخية والأهواء البشرية والأطماع الأرضية . ما يعنينا الآن هو أن « موسى » عليه الصلاة والسلام لم يترك لنا إلّا نصا واحدا أو نوعا واحدا من الكلام هو « التوراة » التي تعبر عن نبوته ورسالته .
والأمر كذلك بالنسبة « لعيسى بن مريم » عليه الصلاة والسلام إذ لم يخلف لنا إلّا الإنجيل ( التبشير ) الذي ضاع هو الآخر في ظلمات العصور القديمة حيث الاضطهاد والفرار من المطاردات ولم يبق لنا إلّا « أسفار » العهد الجديد المكتوبة باللغة اليونانية وهي لغة لم ينطق « ابن مريم » بحرف واحد منها بلسانه لأنه من الثابت المقطوع بصحته علميا
هامش
( 1 ) سورة التوبة : الآية ( 61 ) .