وبالفعل أخرج « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم أهله وتهيأ للمباهلة مقدما نفسه وأهل بيته قربانا على مذبح « الحق » لكي يظهر لكن النصارى الذين أتوه للجدال معه أحجموا عن الدخول في المباهلة وقد نصحهم « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم في لفتة رحمانية باهرة بالتراجع عن التحدي لماّ رأى الرعب في قلوبهم يقطر من وجوههم الكسيفة لأنه يريد هدايتهم لا هلاكهم إنه حقا يريد رحمة لا ذبيحة فمن ذا الذي يجرؤ بعد كل هذا على أن يزعم أن « محمدا » صلّى اللّه عليه وسلم قد اقتبس أقوال أهل الكتاب ليؤلف « القرآن » ؟ ! .
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 62 ) « 1 » .
فانظر إلى ثقة القرآن في نفسه وهو يؤكد صدقه بكل ألوان التأكيد في أسلوب عربى مبين وتأمل ! !
إن القرآن يصدر في كل آياته عن نظرة كلية تشمل كل الكائنات يرى فيها ظلالا لتجلى الأسماء الإلهية وآثارا لصفات « الذات » المقدسة فليس الكون في رؤية القرآن إلّا مرآة هائلة يتبدى « اللّه » على صفحتها المصقولة وكل الكائنات حتى التي تتوهم الحواس أنها ميتة مندمجة في صلاة وتسبيح لخالقها الوحيد .
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 1 ) « 2 »
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
( 44 ) « 3 » .
وفي هذا الكون الشاسع الممتلئ بصور من الحياة تتجاوز الحصر فإن الإنسان هو الكائن الذي رفعه اللّه فوقها كلها فجعل له السيادة عليها وسخر كل شئ لخدمته .
هذه الرؤية القرآنية المتفردة ليس لها مثيل في أي كتاب آخر ديني أو غير ديني وهي تفصح عن نفسها في كل السور والآيات وعند كل المواقف . . . في التعقيب على حكم شرعي أو خلال سياق قصصى أو عند التعليق على حدث وفي التبشير أو التهديد فمن أين اقتبس « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم هذه النظرية . التي تميز « القرآن » عن كل ما عداه من كلام ؟ ! .
الجدير بالانتباه حقا هو تميز « النص القرآني » من بين مجموع الكلام الذي تركه « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم للبشرية .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية ( 62 ) .
( 2 ) سورة الحشر والصف الآية ( 1 ) .
( 3 ) سورة الإسراء الآية ( 44 ) .