عن « هامان » وزير « فرعون » وسنقرأ عن الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه « بموسى » وسنقرأ عن « السامري » الذي أغوى بني إسرائيل ونجح في إعادتهم إلى عبادة الأوثان بينما يدعى كاتب سفر « الخروج » أن « هارون » شقيق « موسى » هو الذي أضل قومه وصنع لهم العجل وسنقرأ في القرآن عن اقتلاع جبل الطور وأخذ الميثاق تحت الجبل الذي ارتفع فوقهم كأنه ظلة وسنقرأ عن نكوص بني إسرائيل ونكثهم للعهد مع اللّه عندما جبنوا عن دخول « الأرض المقدسة » رعبا من سكانها . إننا في القرآن نقرأ قصة جد مختلفة عن السرد الممل الذي يطالعنا على صفحات أسفار الخروج والأحبار ( اللاويين ) والتثنية والعدد والذي امتلأ بتفاصيل بلغت الغاية في الإسهاب المضجر وهي تتحدث عن بناء خيمة الاجتماع وملابس الكهنة وكيفية حياكتها وارتدائها وأنواع الذبائح وتفاصيل الطقوس الغريبة التي لا شك في أنها تشبه الطقوس السحرية التي تنتشر في الشعوب الوثنية في صفحات كثيرة ابتلعت الأسفار كلها في جوفها الممتلئ الذي ضاعت فيه كلمة اللّه .
وفي قصة « عيسى بن مريم » عليه الصلاة والسلام تتبدى لنا على مرآة القرآن شخصية أفضل امرأة خلقها اللّه « مريم ابنة عمران » منذ حملت بها أمها امرأة عمران ونذرتها للرحمن وحتى ولدت « كلمة من اللّه » « 1 » بجوار نخلة تشبثت بها عندما جاءها المخاض في تصوير فنى بالغ الروعة وتفصيل دقيق لا أثر له في الأناجيل ولم يجامل القرآن « المسيحيين » في ادعاءاتهم كما لم يجامل اليهود وتناثرت في سور القرآن المكية والمدنية على السواء الآيات التي توبخ عقيدة التثليث وأسطورة ولادة الإله وأكذوبة الصلب والفداء حيث أكد وحدانية اللّه وعبودية عيسى بن مريم ورفعه إلى السماء ونجاته من الصلب الذي دبروه له .
هكذا تميز « القرآن » برؤية ذاتية خاصة به قدمها في ثقة ووضوح وتحدى بها خصومه وأعداءه علانية دون أدنى خوف أو ميل للمداهنة حتى وصل الأمر إلى حد المباهلة حيث طلب « القرآن » من « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم لكي ينهى الجدل حول « عيسى بن مريم » .
ويظهر « الحق » طلب منه أن يخرج أهله ونساءه وأبناءه ليقفوا معه كفريق واحد في جانب على أن يأتي النصارى بأنفسهم ونسائهم وأبنائهم ليقفوا على الجانب الآخر ثم ليدعو كل فريق ربه لتنزل اللعنة على الكاذبين .
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
( 61 ) « 2 »
هامش
( 1 ) يمكن مطالعة تفاصيل قصة « مريم » و « المسيح » ابنها عليه الصلاة والسلام في رواية « كلمة من الله » بقلم المؤلف .
( 2 ) سورة آل عمران الآية ( 61 ) .