وليست الأيام الستة في القرآن من أيام الأسبوع الذي يعرفه البشر في الدنيا بل هي أحقاب زمنية كما يفهم من نص القرآن نفسه . ونحن لا نلقى بالا لأقوال المفسرين القدماء الذين سايروا كتّاب سفر التكوين في جهلهم المبين .
وفي قصة آدم أبى البشر يخبرنا القرآن بخلافته للّه في الأرض وبتعليمه له كل الأسماء وبسجود الملائكة له في مشهد رائع يثير التأمل العميق ويلقى بنور باهر على مغزى وجود الإنسان ودوره الفذ في بناء الكون باعتباره الثمرة التي تسعى شجرة الخلق لإنتاجها كما قال سعيد النورسى كل ذلك لا أثر له في سفر التكوين الذي يتحدث عن خلق السماوات والأرض كما لو كان مجرد إقامة بيت ريفى بسيط في إحدى القرى الواقعة على شاطئ البحر ! ! .
وفي قصة نوح عليه الصلاة والسلام لن نجد أثرا في سفر التكوين للحوار العنيف الصاخب بين « الرسول » وقومه ولا لأسماء الأصنام التي كان يعبدها القوم ولا خيانة امرأة نوح ولا كفر ابنه وغرقه في الطوفان والحوار الإنسانى المؤثر بين نوح وابنه ومعاتبة نوح لربه . . . لن نجد أثرا لكل هذا في سفر التكوين الذي يسرد قصة نوح في سياق رتيب ويمتلئ بتفاصيل تافهة مملة مثل أعمار الرجال فضلا عن أنها تؤدى في النهاية إلى خطيئة علمية فادحة إذ تحدد ظهور الإنسان على الأرض ببضعة آلاف قليلة من السنين وهو أمر يستحيل العلم الموثق أن يقبله بأي حال من الأحوال .
وفي قصة « إبراهيم » عليه الصلاة والسلام لن نجد أثرا لأهم الحقائق في حياة هذه الشخصية الإنسانية الفذة لن نسمع عن الخلاف المحتدم الذي وقع بين إبراهيم الابن وأبيه صانع التماثيل ولن نرى المشهد المروع حين يلقى بإبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم في النار ولن نعاين تحول الجحيم إلى برد وسلام على إبراهيم ولن نفهم سر الهجرة إلى جنوب الشام ولن نرى بناء الكعبة البيت الحرام يعنى لن نعرف شيئا هاما في حياة أبى الأنبياء بل تطالعنا في أوراق سفر التكوين شخصية إنسان دنيوي يحب المال ولا يجد غضاضة في قبول ثمن بيع امرأته للملك الذي انبهر بجمال المرأة الفاتنة « سارة » بل ويتصارع إبراهيم التوراتى مع ابن أخيه لوط على المرعى . إننا لن نرى أبدا في صفحات سفر التكوين شخصا جديرا بمقام أبى الأنبياء كما صوره القرآن في أبلغ تصوير .
وفي قصة « يوسف » التي ذكرت في القرآن دفعة واحدة بكامل تفاصيلها لن يخطئ القرآن مثلا فيذكر - كما فعل - كاتب سفر التكوين أن القوافل التجارية بين جنوبي الشام ومصر كانت تستخدم ( الحمير ) في السفر ولن يغرق القرآن كما غرقت التوراة في تفاصيل دنيوية تافهة بل سنرى على مرآة سورة يوسف رواية إنسانية هائلة ليس لها مثيل كما بينا من قبل .
وفي قصة « موسى » الشخصية العظمى في تاريخ بني إسرائيل سنقرأ في القرآن عن شخصية « قارون » الرجل الغنى الذي خان قومه وتحالف مع « فرعون » ضد أهله وسنقرأ
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 113
مساهمون: توحيد عبد الفتاح الزهيري
ص١١٣