أنفسهم « المثقفين » ، المتعالمون في أعراضهم وسيرهم في موجة الإلحاد التي بلغت أوجها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين وكان لا بدّ « للقرآن » المجيد أن يصحح الأخطاء وأن ينبه إلى أن الأخطاء قد ارتكبت في حق الوحي الإلهى بخيانة أمانة اللّه التي لم يحفظها الإنسان ومن هنا كان من المحتم أن يذكر القرآن قصص الأنبياء السابقين « بالحق » أي كما وقعت في شهادة اللّه ليأخذ الإنسان منها العبرة
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
« 1 » .
لقد أقام « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم دعوته على أساس أنه نبي مرسل من اللّه إلى البشر كما أرسل اللّه غيره من قبل وفي هذا امتحان لأهل الكتاب من اليهود والنصارى لأن من يؤمن بالنبوة بصفة عامة كيف ينكرها على « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم وعلى أي أساس من العقل السليم يقيم رفضه العنيد ؟ ! .
وإذا كان لا بدّ أن يأتي ذكر الأنبياء السابقين في القرآن فهل ساير « القرآن » أهل الكتاب في قصصهم ؟ هل أخذ عنهم موافقا لهم في كل ما كتبوه ؟ ! إن امتحان النصوص التي بين أيدينا يجيب بكل وضوح وبساطة وثقة « لا » . ففي كل المواضع التي اشترك فيها القرآن مع كتب العهد القديم أو الجديد تميز القرآن بوجهة نظر شخصية خاصة به وحده فضلا عن أسلوبه البديع الذي لا يمكن أن يوضع شئ أمامه للمقارنة ولنتأمل الآن بعض مواضع الاتفاق لنرى هل يمكن وصم القرآن بالاقتباس من كلام أهل الكتاب ؟ !
جاءت قصة خلق السماوات والأرض في بداية سفر التكوين مرتبة في تسلسل زمنى يبدأ باليوم الأول الذي هو الأحد على زعمهم وينتهى باليوم السادس الذي هو الجمعة ثم استراح اللّه في السبت - هكذا يصور كاتب السفر قصة خلق الكون في أسبوع أو سبعة أيام من أيام البشر في الدنيا بل يأتي السفر بقصتين مختلفتين واحدة بعد الأخرى مما يؤكد أن هذا السفر لم يكتب في وقت واحد بل لم يكتبه كاتب واحد بل اشترك في تحريره عدد من الكتاب وفي أزمان مختلفة فكان هذا هو السبب في مجىء روايتين وفي امتلاء القصة بأمور لا يقبلها العقل ويحكم العلم بخطئها دون جدال أو مماحكة « 2 » .
أما القرآن فإنه لا يأتي بالقصة هكذا مرة واحدة بل تتناثر أجزاء القصة بين السور على طول القرآن كله في مناسبات مختلفة ولا يمكن اصطياد خطأ واحد بحكم « العلم » .
هامش
( 1 ) سورة يوسف الآية ( 111 ) .
( 2 ) يمكن مراجعة التفاصيل في كتاب الدكتور موريس بوكاى « دراسة الكتب المقدسة التوراة والإنجيل والقرآن في ضوء العلم الحديث » وهو من منشورات دار المعارف المصرية سنة 1977 .