المستمع عبر « النص » . ولا ريب في أن الروائع الأدبية التي احتفظت بها الإنسانية في سجل الخلود هي تلك الأعمال التي أبدعها كاتبوها تحت وطأة شعور هائل بالصدق مع النفس وأن ثمة رسالة ينبغي إبلاغها للإنسانية إن لم تكن في هذا الجيل فللأجيال القادمة .
إذا طبقنا هذا المعيار على « النص القرآني » فسوف يذهلنا « التميز » الفريد الذي ظل القرآن يحتفظ به عبر القرون المتطاولة . لقد كان القرآن سببا مباشرا في إنتاج كم هائل من الكتابات العربية منذ القرن السابع الميلادي وحتى يومنا هذا في نهاية القرن العشرين وسوف يستمر التأثير القرآني الفذ حتى تنتهى الدنيا وتقوم الساعة .
عشرات من العلوم العربية والآلاف من القضايا البحثية وملايين من الكتب العربية ويبقى القرآن متفردا بخصائصه تدركه العين والأذن بمجرد أن تقع عليه وسط ركام الكلمات البشرية .
لقد رفع القرآن اللغة العربية إلى مستوى لا تبلغه لغة أخرى وأحدث فيها من التأثير ما لم يحدثه أي كتاب آخر في أي لغة من اللغات التي نطق بها البشر لقد خرجت الحضارة الإسلامية كلها من آيات القرآن . كان باعث الحضارة وصانع تاريخها ألهم المفكرين ورسم الطريق للسالكين والعارفين وأرشد العلماء وأعطى القدوة للشخصيات العظيمة من رجال الحكم صناع التاريخ واحتفظ بتميزه الفذ وسط هذه البحار العميقة الصاخبة من كلام البشر .
اتهم « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم بأنه قد اقتبس « قرآنه » من أقوال أهل الكتاب فلم يكن القرآن في هذا الاتهام إلّا إعادة صياغة للتوراة والإنجيل في أسلوب عربى مبين يستمد جماله من عبقرية « محمد » الأدبية ولا يوجد من سند لهذا الاتهام سوى احتواء القرآن المجيد على قصص الأنبياء السابقين التي تشبه في مجملها الظاهر ما ورد في أسفار التوراة وكتب الأنبياء والأناجيل .
وليس هذا الاتهام جديدا بل . هو قديم فقد ادعاه العرب « الجاهليون » عندما حيرهم القرآن بأسلوبه ومحتواه ورفضوا الإذعان لحقيقة تنزيله من اللّه وأخذهم الكبرياء
قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
( 31 ) « 1 » .
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
( 5 ) « 2 » .
إذن لم يأت أدعياء العلم في العصر الحديث بجديد حين قالوا إن « محمدا » قد اقتبس
هامش
( 1 ) سورة الأنفال الآية ( 31 )
( 2 ) سورة الفرقان الآية ( 5 ) .