الصدق هو النطق بالحق « 1 » .
والحق هنا هو ما يشهده القلب فإذا عبّر الإنسان عن المكنون في قلبه بلسانه أو بحاله كان صادقا .
وعلينا أن نميز الآن بين نمطين أو وجهين للصدق ونحن نتناول بالفحص « النصوص » الأدبية ، وهما الصدق الفنى الذي يتكشف لنا من التأمل في « النص » والصدق الخلقي الذي يتضح لنا من امتحان سلوك المتكلم .
ولكي نفهم المقصود بالصدق الفنى علينا أن ننتبه إلى أن الفن بصفة عامة والأدب بصفة خاصة يقوم على ادعاء من الفنان والأديب بأنه قد عرف الأشياء من خلال تجربته الذاتية الخاصة على نحو أعمق مما وصل إليه الآخرون الذين يخاطبهم بإبداعه فهو ( الفنان أو الأديب ) يدعى أنه اتصل بحقيقة الأشياء وعرف من جوانبها الغامضة أكثر مما ناله الآخرون وقد أملت عليه هذه المعرفة الذوقية التي ظفر بها من خوضه التجارب أملت عليه عمله الفنى سواء أكان قصيدة أو قصة أو لوحة أو تمثالا أو مقطوعة موسيقية ومن هنا يتبين لنا أن « تميز » العمل الفنى واتصافه بملامح شخصية متفردة تفرقه عن أمثاله وتعيّن هويته هو معيار الصدق الذي يمتحن بالمقارنة مع الأعمال الفنية « الأخرى » .
فلا بد أن يأتي ممارس الفن بجديد في الشكل أو المضمون لكي يستحق لفظ الفنان أو المبدع ولكي يوصف عمله بالإبداع ولهذا يكون التقليد والاقتباس المخفى أو بالأحرى السرقة هو المرادف الصحيح للكذب الفنى الذي يسلب العمل الفنى قدرته على التأثير في نفس ( قلب ) المتلقى أي يفقده البلاغة .
والصدق الفنى « سر » أو « روح » ينتقل من قلب الكاتب المتكلم إلى قلب القارئ
هامش
( 1 ) الحق هو شهادة الله . قال على لسان يوسف ( يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربى حقا ) أي جعلها مشهودة حاضرة بعد أن كانت غائبة أو ظاهرة بعد أن كانت خفية باطنة وهذه الآية تحدد لنا معنى ( الحق ) فهو الشيء المشهود .
ولما كانت الأشياء كلها واقعة في العلم الإلهى ومن ثم فهي مشهودة من الله لذلك كان ( الحق ) هو العلم الإلهى ومن ذلك العلم أوحى الله إلى أنبياءه ورسله فصار كلام الله الذي نطق به الأنبياء والرسل هو ( الحق ) ولذلك كان الحق اسما ووصفا للقرآن ولكل الكتب الإلهية التي كلم الله بها أنبياءه .
ولكن علم الله لم يخرج من الغيب إلى الشهادة إلا بواسطة النبي ولذلك كان الحق اسما ووصفا « لمحمد » صلّى اللّه عليه وسلم باعتباره « روح الله » لأنه كان الوسيلة لظهور شهادة الله فهو صلّى اللّه عليه وسلم « الحق » الذي جاءنا من ربنا .
ولما كان الله لا يشهد في مخلوقاته إلا صفاته وأسماءه وأفعاله يعنى لا يشهد في الحقيقة إلا نفسه إذ ليست الكائنات إلا صورا لظهوره لذلك كان « الحق » أي المشهود اسما من أسمائه الحسنى فهو الشاهد المشهود .