إنه على الرغم من وضوح عقيدتنا ، وسمو قيمنا ، وعالمية دعوتنا ، وقيامها على أسس راسخة ، من الإيمان باللّه وبجميع الرسل والأنبياء ، وبوحدة الجنس البشرى ، وعلى الرحمة والتواصى بالحق والخير ، والعدل وبالتعاون على البر والتقوى ، فإن تأثير الاستشراق والحركات التنصيرية قد وصلت سمومها وجراثيمها إلى نقطة الخطورة في جسم الأمة وعقلية بعض أبنائها سواء بطريقة مباشرة أم بطريقة غير مباشرة .
لقد أحدثت الآراء الاستشراقية بعض الخلل في بنائنا الاجتماعي ، وهزة في كياننا الانتمائى والتواصلي ، حتى إنه ليمكن أن نرجع الكثير من أسباب الخلاف بين مثقفينا وبين بعض فئات مجتمعنا إلى هذه الأسلحة الجرثومية التي تصدر إلى بلاد المسلمين ، وتصب في عقول أبنائنا هذه السموم الفتاكة الموجهة إلينا المغلفة تغليفا جيدا ، والمزودة بنشرات من المعلومات المضللة ، التي قد يحملها سماسرة منا أذكياء ، يروجون لها ويستميتون في الدعوة إليها والدفاع عنها .
يقول الشيخ أبو الحسن الندوى في كتابه " الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية : " المستشرقون وعلماء الغرب الذين كرسوا حياتهم على دراسة العلوم الإسلامية ويملكون إعجاب الأوساط العلمية في الشرق والغرب وإجلالها وتقديرها ، ويقام لآرائهم ونظرياتهم في البحوث الإسلامية في الشرق وزن كبير ، أثاروا في قلوب قادة العالم الإسلامي اليوم وزعمائه - ممن تثقفوا في مراكز الغرب الثقافية الكبرى ، أو درسوا الإسلام بلغات الغرب - شبهات حول الإسلام والمصادر الإسلامية ، وأحدثوا في نفوسهم يأسا من مستقبل الإسلام ، ومقتا على حاضره وسوء ظن بماضيه ، كما أن لهم إسهاما كبيرا في الحث على نعرة " إصلاح الديانة " و " إصلاح القانون الإسلامي " ، والمستشرقون يركزون كل جهودهم ومساعيهم على تعرف مواضع الضعف وتمثيلها في صورة مهولة مروعة ، وإنهم ينظرون إليها عن طريق الآلة المكبرة ، ويعرضونها كذلك للقراء حتى يروا الذرة جبلا ، والنقطة بحرا ، والفسيلة نخلة ، وقد ظهرت حذاقتهم ، وبان ذكاؤهم في تشويه صورة الإسلام " .
" وقليل من هؤلاء المستشرقين يدسون في كتاباتهم مقدارا خاصا من " السم " ، ويحترسون في ذلك ، فلا يزيد على النسبة المميتة لديهم حتى لا يستوحش القارئ ، ولا يثير ذلك فيه الحذر ، ولا يضعف ثقته بنزاهة المؤلف ، إن كتابات هؤلاء أشد خطرا على القارئ من كتابات المؤلفين الذين يكاشفون بالعداء ، ويشحنون كتبهم بالكذب والافتراء ،
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 409
مساهمون: محمد محمد أبو ليلة
ص٤٠٩