تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
الآن ) لنحو مائتي مليون ( بزيادة بليون نسمة الآن ) من الناس أمثالنا ، خلقهم اللّه الذي خلقنا ، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين فائتة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة ؟ ! أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدا ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق اللّه هذا الرواج ، ويصادفان منهم هذا التصديق والقبول ، فما الناس إلا حمقى ومجانين ، وما الحياة إلا سخف وعبث وضلال ، كان الأولى بها ألا تخلق ، هل رأيتم قط معشر الناس أن رجلا يستطيع أن يوجد دينا وينشره ؟ عجب واللّه ! ! إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبنى بيتا من الطوب . . . وعلى ذلك فلسنا نعد محمدا رجلا كاذبا متصنعا يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغيته أو يطمح إلى درجة ملك ، أو غير ذلك من الحقائر والصغائر ، وما الرسالة التي أداها إلا حقا صريحا ، وما كانت كلمته إلا صوتا صادقا صادرا من العالم المجهول ؛ كلّا ! ما محمد بالكاذب ولا بالملفق ، وإنما هو قطعة من الحياة قد تفطر عنها قلب الطبيعة ، فإذا هو شهاب قد أضاء العالم أجمع ، ذلك أمر اللّه . . . " ولتوماس كارلايل كلام كثير صادق في وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم في بلاغة عن اللّه تعالى ، وفي نفسه كإنسان عظيم ، ورسول كريم ؛ إلا أن كارلايل قد خانته عبقريته فجعلته يخطئ خطأ ذريعا يقاس حجمه بحجمه كفيلسوف عظيم ، وذلك عندما حكم على كتاب لا يفهمه ، ولا اتصال له به في لغته الأصلية - أعنى القرآن الكريم - بعدم البلاغة ، وبالتشويش في الفكرة والموضوع ، وبالتكرار الممل ، وغير ذلك مما يتنافى مع مطلق حسن الألفاظ والمعاني القرآنية ؛ هذا مع أن القرآن الكريم كان هو خلق النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان هو أساس دعوته ودولته ، وكان هو المنهج الذي سار عليه صلى اللّه عليه وسلم في حياته وألزم بالسير عليه أمته من بعده . ولقد خانت كارلايل عبقريته وشجاعته الأدبية مرة أخرى عندما أعلن بصراحة مكشوفة ، وكأنه يعتذر إلى بنى قومه عن بعض الإنصاف الذي أولاه محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، بأنه إنما صرح بقوله هذا لأنه " لم يعد هناك خوف من أن يصير أحد من النصارى محمديا « 1 » ( يعنى مسلما ) " . وكلامه هذا يذكرنا مع الفارق بموقف الكنيسة من أول ترجمة للقرآن ، إذ لم تسمح بنشرها خوفا من أن تؤثر على جماهير النصرانية .
هامش
( 1 ) انظر .Thomas Carlyl . on Heroes Worship and the Heroic