تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
فواصله ( أي القرآن ) ، وكلماته ذوات إيقاع متفاوت الوزن . وجعل معظم عباراته مسجوعة - وهذا أمر كان ، ولا يزال طبيعيا ، عند كل خطيب عربى ، وهو نتيجة ضرورية لتركيب اللغة العربية " ؛ يرمي المترجم من خلال هذا الزعم أن القرآن غير خارق وغير معجز ، وإنما هو من جنس كلام العرب ، وبالتالي من مقدوراتهم الأدبية . وهو بهذا ينفى عن القرآن أهم صفاته ، وهي البلاغة العالية والبيان السامي ؛ ويقطع كأسلافه بأن القرآن من عمل محمد صلى اللّه عليه وسلم ومن تصميمه . ويعتبر هذا المستشرق أن الفواصل والأسجاع القرآنية " نتيجة ضرورية لتركيب اللغة العربية " ، وقد تكلمنا عن الفواصل ، والأسجاع في قرينة لغة القرآن ؛ ولكننا نلفت النظر هنا إلى ادعاء بالمر بأن الأسجاع من ضرورات اللغة ، هذا إطلاق متعسف ، وتحكّم بالباطل . السجع طريقة من طرق التعبير وليس ضرورة من ضرورات اللغة البتّة ؛ والفرق بين الطريقة والضرورة كبير ، كما ذكرنا من قبل . أضف إلى ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكتب القرآن ، ولم يختر هو ألفاظه وتراكيبه ؛ وإنما تلقاه بجملته من جبريل ، الذي تلقاه بجملته عن اللّه تبارك وتعالى . والفرق بين القرآن وبين حديثه صلى اللّه عليه وسلم ، كالفرق بين لغة البشر ولغة القرآن الذي هو كلام اللّه رب العالمين . ولكي نعرف مدى غلو هذا المستشرق في طعنه في القرآن يبقى أن ندقق النظر في عبارته الفجّة ، وهو يقرر طريقته في الترجمة قائلا : " لقد ترجمت كل جملة بالقدر من الحرفية ، الذي يسمح به الاختلاف بين اللغتين ( العربية والإنجليزية ) ، وترجمته كلمة بكلمة كلما كان ذلك ممكنا . ولكنه عندما يكون التعبير خشنا أو مبتذلا في العربية لم أتردد في نقله ، بلغة إنجليزية مماثلة ، حتى لو كان النقل الحرفي يصدم القارئ " « 1 » . القرآن ليس فيه تعبير خشن أو مبتذل البتّة ، وإنما المبتذل كلام بالمر ، ودعاواه الفارغة ، وشدة تحامله على القرآن ، وتجمله لنقاد الإسلام . هذا غيض من فيض يمكن أن يقال حول ترجمة بالمر ، ومقدمته على هذه الترجمة . والآن نلقى بعض الضوء على ترجمة آرثر جون أربرى ( مستشرق إنجليزي 1905 - 1969 ) وهو أديب ذواقة واسع الاطلاع . عنى آربرى بترجمة القرآن الكريم ، فأصدر في أوائل الخمسينات ترجمة لمختارات من آيات القرآن ، صدّرها بمقدمة طويلة ،
هامش
( 1 ) مقدمة ترجمة بالمر والنقل عن عبد الرحمن بدوي . موسوعة المستشرقين ص 44 - 45 .