تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
ومن البارزين في مجال الحرابة ضد القرآن المستشرق الفرنسي بلاشير ( 1900 - 1970 م ) الذي اقتفى آثار سلفيه ، فلوجل ، ونولدكه ، في طريقة ترتيب القرآن حسب النزول ؛ يزعم بلاشير أن فقرة " الغرانيق " المزعومة من صميم القرآن ، وأن القرآن قد تعرضت أجزاء منه للضياع سواء المحفوظ منها في الذواكر ، أم المسطور منها في الدفاتر . ولسنا ندري على أي أساس بنى بلاشير زعمه في ضياع أجزاء من القرآن . وعلى أي أساس ساغ له هذا القول . ويردد بلاشير دعوى المستشرق اليهودي إبراهام جيجر وغيره ، بأن القرآن مأخوذ من مصادر يهودية ونصرانية ، مشيرين بالذات إلى إنجيل الصبوة الذي لا يعترفون به ضمن الأناجيل المعتمدة كنسيا ؛ وذلك لمجرد وجود بعض النقاط المتشابهة بينه وبين القرآن « 1 » ؛ وهذا زيف وحيف ، أنّى لمحمد بهذا الإنجيل ، وغيره من الأناجيل ، التي لم تكن قد نقلت إلى العربية ، بل لم تكن في متناول أيدي عامة النصارى أنفسهم . يلحق بهؤلاء ألفريد جيوم الذي حصل على عضوية المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1948 م ، والمجمع العراقي سنة 1949 م . فقد قامت دراسات جيوم كلها على أساس بشرية القرآن وانتحال محمد مادة القرآن من اليهودية والنصرانية ؛ وأخطر ما كتب هذا المستشرق كتابيه " حياة محمد " ( أكسفورد : 1956 م ) ، و " الإسلام " سنة 1954 م . وأغرب دعوى قال بها جيوم هي زعمه بأن " الإسلام ابن وقته " ، يعنى أن محمدا صلوات اللّه عليه وسلامه ، لم يبعث إلا لعرب زمانه ، وليس لكل العرب في كل زمان ومكان ؛ وفحوى هذا الكلام أن الإسلام غير قابل للتطبيق بعد وفاة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ وأن دين الإسلام إنما أسسه محمد صلى اللّه عليه وسلم لمواجهة مشكلات وأمور محلية خاصة ، خضعت لظروف معينة ، انتهت بوفاته صلى اللّه عليه وسلم . والبديل عن الإسلام في غاية ما ينتهى إليه كلام جيوم هو ضرورة تخلى المسلمين عن الإسلام ، وطرح الانتماء إليه وتبنى النموذج الغربى ، في الديانة والحضارة . لم يعبأ المستشرق جيوم بالآيات الكثيرة والمتنوعة ولا بالأحاديث الكثيرة والواضحة كذلك في تقرير عالمية الإسلام وشمول دعوته لكل أفراد النوع ومناحى الحياة لكل العقول ولكل البيئات . ونقول بأبلغ صيغ التأكيد إن القرآن لا تتسع له المجتمعات الضيقة المحاصرة ، ولا الشعوب المتقاعسة المكبلة بأسباب الجهل والكسل والجمود واليأس . والمستشرق الفرنسي جون بيرك عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة أيضا ، ممن اعتنق
هامش
( 1 ) المصدر نفسه ص 218 ، 232 .
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 404 | محمد محمد أبو ليلة