بل لقد كان الاستشراق والتنصير بمثابة الحرب الباردة ضد المسلمين ، وكان من المستشرقين من عمل مع قوات الاحتلال البريطاني ، وتجسس لحسابهم كالمستشرق " بالمر " ( 1840 - 1882 ) ، ومما ينبغي ذكره أن بالمر ترجم قصائد البهاء زهير ؛ ثم ترجم القرآن فيما بعد إلى اللغة الإنجليزية ، ونشرت ترجمته للقرآن ضمن سلسلة كتب الشرق المقدسة التي كان " ماكس ميلر " يتولى إصدارها . عمل هذا المستشرق جاسوسا للاستعمار البريطاني في المنطقة العربية ، وبالأخص في صحراء سيناء ، ليؤلب زعماء القبائل هناك ضد أحمد باشا عرابي ، ويجمعهم على نصرة بريطانيا ضد ألمانيا ، وقد كان مصيره القتل ؛ ومما ينبغي ذكره أيضا أنه كان من هؤلاء المستشرقين الكبار أعضاء في مجامع لغوية وعلمية ، عربية وإسلامية ، وكذلك كان منهم أساتذة في جامعات مصرية وعربية أخرى ، ينشرون أفكارهم المعادية للإسلام بين المسلمين ، تحت ستار البحث العلمي ؛ ومن هؤلاء ، المستشرق الألماني الكبير فنسنك ( 1882 - 1939 م ) الذي طرد من مجمع اللغة العربية بمصر بسبب كتابة : " العقيدة الإسلامية نشأتها وتطورها " والذي ردّ فيه الإسلام إلى أصول شرقية ، وجاهلية . ومما هو جدير بالذكر أن فنسنك من المشاركين في إعداد المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي « 1 » ، ولكن هذا العمل العملاق يستحق عليه الشكر هو وكل من ساهم معه في سبيل إخراجه .
وعلى القائمة يوجد اسم المستشرق الإنجليزي " جب " ( 1895 - 1971 م ) الذي حاك كثيرا من الافتراءات والترهات حول القرآن الكريم ، إذ قد ادعى أنه من صنعة محمد ، جريا على الأصولية العدائية للمستشرقين ، هذا هو ما ينضح به كتاب (
Muhammadanism
) المحمدية ( يعنى ، الإسلام ) ؛ والمستشرق الألماني فيشر ( 1865 - 1949 م ) طرد من عضوية المجمع اللغوي سنة 1945 م ؛ لأنه كتب رسالة بعنوان " آية مقحمة في القرآن " ، كما ادعى أن الاسم " محمد " ، كان يستعمل بين البيزنطيين قبل الإسلام ؛ وليس أقل غرابة ولا أبعد في المبالغة من زعمه أن سكان مكة ، والمدينة ، وأجزاء من الأماكن المحيطة بهما ، قد تخلوا عن استعمال الإعراب في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم وبعده . هذه المقولة المزعومة تخفى وراءها غرضا آخر غير مجرد الدراسة ، وهو الطعن في القرآن كما تبين للقارئ في مواضع كثيرة من هذا الكتاب .
هامش
( 1 ) انظر : نذير حمدان . مستشرقون . السعودية . مكتبة الصديق 1408 ه - 1988 م ص 216 .