أن القرآن كتاب بشرى ، ألّفه النبي صلى اللّه عليه وسلم . لذلك جاءت ترجماتهم الأولى للقرآن تحمل هذا العنوان " قرآن محمد " ؛ وفي سبيل تحقيق هذا الغرض وإبرازه ، راحوا يتنكبون كل طريق على غير هدى ، ليثبتوا أن محمدا قد استعار من الكتب اليهودية والنصرانية عند كتابة القرآن ؛ وقاسوا القرآن خطأ على كتب العهد القديم والعهد الجديد ، والتي جمعت من هنا وهناك ، في أحقاب زمنية جد متباعدة ، كما أكده النقاد الغربيون أنفسهم بالنسبة للكتاب المقدس ؛ والذي سبق إليه علماء مسلمون كبار في دراسة الأديان المقارنة من أمثال النوبختي ، والجاحظ ، وابن حزم الأندلسي ، والقرطبي ، وحجة الإسلام الغزالي ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم والقرافي وغيرهم .
ناهيك بالإساءات البالغة التي وجهها هؤلاء الغربيون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ انتقدوا حياته الخاصة والعامة ، ورماه رجال الكنيسة المتعصبون بأدوائهم ؛ فزعموا أنه كان شهوانيا ، ومغرما بالنساء ، ومزواجا ؛ وزعموا كذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم كان مصابا بمرض الصرع ، والهلوسة ، والوهم ، والهستيريا . . . إلخ ؛ وأنه ألف بنفسه الآيات القرآنية التي رأى فيها راحته النفسية ، وسلواه الروحية وتحقيق طموحاته في الحياة ، وزعموا كذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم كان سيئ الطبع قاسى القلب ، يغدر ويفجر بأصحابه ، وغير ذلك من الأوصاف التي تكذّبها حياته صلى اللّه عليه وسلم وسيرته ، وشهادته معاصريه ، ومنهم أعداؤه .
وهذه الأكاذيب ما كان ينبغي أن تحاك حول رجل قد بلغ القمة بفضائله ، وتجرده في كل أعماله وأقواله صلى اللّه عليه وسلم وبحبه للإنسانية ، وفتح أعين الناس على العدل والحق والخير ، وغيّر وجه التاريخ ، وعدّل مسيرته ؛ وو اللّه لو لم يكن هذا الرجل نبيا أو رسولا لكان أجدر بنا أن نجلّه ونتبعه ، ونؤثره ، ونقدمه على كل عظيم . فما بالك وأدلة السمع ، والفؤاد ، والعقل ، والتاريخ ، والسيرة ، والآثار الحية الباقية على الدهور قد تضافرت جميعا على صدق نبوته ، وثبوت عصمته ، وصحة رسالته ، وسمو أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم .
كل هذه الأكاذيب حاكوها بقصد الطعن في النبي ، كمبلغ للقرآن ، وحتى لا يكون محمد صلى اللّه عليه وسلم أهلا للثقة ، ولا جديرا بالرسالة . ولذلك لما لم تفلح أكاذيبهم ، ولما لم يتوصلوا إلى أغراضهم بالألسنة والأقلام ، شهروا السيوف ، وحملوا الصلبان ضد المسلمين ، وزحفوا عليهم في ديارهم ، من كل حدب في أوروبا ينسلون ، يقاتلونهم ويحتلون أرضهم ويعبثون بمقدساتهم .
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 402
مساهمون: محمد محمد أبو ليلة
ص٤٠٢