وعلماء الأمة قد اختلفوا حول موضوع ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى ؛ ثم استقر الرأي أخيرا على جواز ترجمة المعاني أو بعضها ، لتكون عونا للمسلمين من غير العرب على فهم دينهم وكتابهم ، وحتى يحال بينهم وبين مطالعة الترجمات الخاطئة والمغرضة التي يقوم بها المستشرقون والمنصرون ، وغيرهم ممن هو على شاكلتهم في المنهج والقصد ، أقر ذلك الأزهر الشريف وهيئة كبار العلماء ؛ كما يتبين من فتوى فضيلة شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي التي تضمنتها رسالته إلى علي ماهر باشا رئيس وزراء مصر آنذاك ، والمؤرخة في 23 محرم 1355 ه - 15 إبريل 1936 م ، والتي جاء في آخرها " . . . لذلك أقترح أن يقرر مجلس الوزراء ترجمة معاني القرآن الكريم ترجمة رسمية على أن تقوم بذلك مشيخة الأزهر بمساعدة وزارة المعارف . وأن يقرر مجلس الوزراء الاعتماد اللازم لذلك المشروع الجليل . . . " ؛ وقد تم فعلا تشكيل لجنة لذلك كما نتبينه من تصريح الأمير محمد على الوصي على عرش مصر في ذلك الحين لجريدة الأهرام في 24 محرم 1355 ه - 16 إبريل 1936 « 1 » .
ولكننا نقول إن العلماء ، المحمودة آثارهم ، قد اختلفوا في شأن الترجمة ، والمراجع لأقوالهم يمكن أن يخرج بنتيجة مهمة ؛ وهي أن الذين قالوا بجواز الترجمة ، وضعوا لها الشروط اللازمة واحتاطوا لها ، وجعلوها من باب الضرورات التي تباح في ظروف معينة ، وأوقات خاصة ، وإن هؤلاء الذين منعوا من الترجمة منعا باتا كانوا حريصين على سلامة النص القرآني من التحريف ، وعن تدخّل الإنسان في لفظه أو عبارته ، بأي شكل من الأشكال ، ولأي غرض من الأغراض ؛ وهذا المنع يكون أوجب ، إذا كان المترجم غير مسلم لا يراعي حرمة القرآن ، ولا يفهم سر العربية ؛ ويضاف إلى هذه الأسباب أن الترجمات قد تفتح الأبواب لصرف الناس عن حفظ القرآن ودراسته باللغة التي اختارها اللّه تعالى ؛ ومن المسلّم به بين الخبراء في الترجمة ، أنه لا توجد ترجمة البتّة يمكن أن تعكس الأصل كما تنعكس الصورة في المرآة ، ومن هنا كان اختلاف الترجمات ، وكانت حاجة المترجمين إلى الهوامش ، التي يوضحون فيها ما غمض عليهم أو صعب عليهم ترجمته ؛ ولذلك نجد بعض المترجمين يعللون لاختيارهم للفظة دون أخرى . . . وهكذا .
هامش
( 1 ) انظر : د . محمد صالح البنداق . المستشرقون وترجمة القرآن الكريم ص 83 - 84 .