يهود المدينة الذين كانوا يسيطرون على وسائل الكتابة ، والنتيجة العبقرية التي ينتهى إليها بلاشير ، ويطير بها فرحا ونجحا هي أن القرآن لم يكتب بأكمله في عهد الرسول مما تسبب في ضياع أجزاء منه ، وهذه الأجزاء لم تستطع صدور الحفّاظ أن تحميها من الضياع كذلك .
وراح بلاشير يعلل لدعواه هذه بأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يهتم بتسجيل القرآن وقت نزوله ، فقدم عدة افتراضات لا وجود لها ، إلا في أمّ رأسه هو ؛ منها أن العربي بطبيعته لا يفكر إلا في اللحظة الحاضرة ولا يهتم بالمستقبل أبدا ، وأنه يترك الأمور هكذا تجرى على عواهنها دون تدخل منه أو اعتراض . من الواضح إذا أن بلاشير يقوم بمحاولة يائسة لتقرير نتيجة غير معقولة بالمرة .
ولكي نوضح للقارئ عجيب أمر بلاشير أكثر وأكثر ، نقول إن خوف محمد صلى اللّه عليه وسلم عندما واجه جبريل عليه السلام لأول مرة لم يمنعه من حفظ ما سمعه منه ، ولا من استعادته وإلقائه كما هو على زوجته الطاهرة خديجة رضي اللّه تعالى عنها ، لقد كان القرآن يكتب في مكة كما كان يكتب في المدينة ، وكان المسلمون يتسابقون إلى حفظه ومذاكرته أينما كانوا وحيثما كانوا ؛ كما ذكرناه في موضعه .
ولو تكلمنا من طريق العلم الذي يحاوله ويخطئه بلاشير وأترابه ، لقلنا إن خوف محمد صلى اللّه عليه وسلم وجلال الخبرة التي كان يمر بها عند تلقى الوحي ، ووضوح الأمر له ، بأن ما كان يتلقاه هو كلام اللّه تعالى ، كفيل وحده بحثه على كتابة ما كان يسمعه من جبريل والاحتفاظ به ، لا الخوف من تسجيله كما توهم بلاشير . أما زعم المترجم الفرنسي بأن اليهود كانوا يحتكرون أدوات الكتابة مما عاق دون كتابة القرآن ، فكلام لا يتناسب مع طبيعة أهل ذلك العصر وظروفه أبدا ؛ ولا مع البيئة والمجتمع الذي يتكلم بلاشير عنهما كذلك ، كيف يحتكر اليهود أدوات الكتابة ؟ وأي دليل تاريخي على وجود هذا الاحتكار ؟
هذا مع ضرورة استحضار هذه الحقيقة في الذهن ؛ وهي أن أدوات الكتابة كانت بسيطة لا تعدو أن تكون لخاف النخيل ، وجذوعه ، والحجارة المستدقة ، وجريد النخل ، باللّه عليك أيها القارئ من يستطيع احتكار هذه الأشياء ، يهودا كانوا أو غير يهود .
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 375
مساهمون: محمد محمد أبو ليلة
ص٣٧٥