تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
رحمه اللّه ولكنه يكره عند الصاحبين ، فقد نقل عنهما أنه لا يجوز للشخص أن يصلى بالترجمة إذا كان يحسن العربية ، وإذا كان لا يحسنها فإنه لا يجوز له . قال أبو يوسف ومحمد رحمهما اللّه : " القرآن معجز ، والإعجاز في النظم والمعنى ، فإذا قدر أن يقرأ في الصلاة بالعربية فلا يتأتى له ذلك ، وإذا عجز عن النظم ، أتى بما يقدر عليه ، وهو في هذا ، يكون حاله كحال من عجز في الركوع أو السجود ، فيصلى بالإيماء " . ونقل الشيخ عن " شرح الكنز " للزيلعي قوله : " وأما القراءة بالفارسية فجائزة في قول أبي حنيفة " . وقال أبو يوسف ومحمد " لا يجوز ( له أن يصلى بغير العربية ) إذا كان يحسن العربية ، لأن القرآن اسم لمنظوم عربى " . وللإمام أبي حنيفة على ما جاء بالفتوى أن قول اللّه تعالى :
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 ) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
( 19 ) ( الأعلى : 18 - 19 ) ، وصحف إبراهيم كانت بالسريانية ، وصحف موسى كانت بالعبرانية ، فدل على كون ذلك قرآنا . ويقول : " ويجوز ( له أن يصلى بغير العربية ) بأي لسان كان ، وهو الصحيح ، لأن ( الوحي ) المنزل وهو المعنى عنده ، لا يختلف باختلاف اللغات " ؛ تقول نعم ، نزل وحى بالسريانية وبالعبرانية وبغيرها من لسان أمم الأنبياء لكننا لا نسلم بأن الموحى به هو المعاني فقط ، وأن المعاني لا تختلف باختلاف اللغات ، لأن ذلك يوحي بأن ألفاظ الوحي من فعل الأنبياء أو تأليفهم ، والمعلوم الاعتقادي أن القرآن بألفاظه ومعانيه من اللّه تعالى ، وأن كل ما في القرآن ، وحى منزل ، وقد وقع الإعجاز والتحدي بالألفاظ والمعاني معا ، والقول بأن المعاني لا تختلف باختلاف اللغات ، قول واسع يحتاج إلى تقييد وتضييق ، إذ يمكن أن تختلف المعاني باختلاف الألفاظ التي تحملها والأساليب التي تعبر عنها ، واللغات كالناس ، طبقات ودرجات ؛ وقد أوردنا فيما سبق أن الإمام أبا حنيفة قد رجع عن قوله في جواز الصلاة بالترجمة . والكلام في هذا الموضوع يطول . اختلف علماء المسلمين بين مؤيد ومعارض ، وبين متشدد ومتساهل ، مما أخر دخول المسلمين مجال ترجمة القرآن على الرغم من خبرتهم التاريخية في الترجمة إلا أن هذا التأخير كان لصالح القرآن نفسه ولصالح اللغة العربية ، التي أقبلت الأمم الداخلة في الإسلام على تعلمها وحفظ كتابها والوقوف على علومها المتنوعة ؛ وعرفنا كذلك أن الفقهاء