تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
مجرد نقل كلمات أو رصف عبارات ، والذي يخشى من الترجمة هو ضياع المعاني والصور والظلال والتصورات أثناء رحلة النص من لغة إلى أخرى ، ومهما كانت الترجمة من الدقة والأمانة فإنها تصيب النص بشيء من التغيير ، والمترجم ولا بد واضع فيها نفسه ، ومسقط فيها من نفثه ، وكلما كان النص أرقى في لغته كلما صعبت ترجمته ، وبخاصة النصوص التي تحتوى على قيمة جمالية كبرى كالذي تحمله الفواصل والمقاطع ، كما في حالة الشعر على سبيل المثال ؛ فقد منع الجاحظ أو استبعد أن تنقل معانيه إلى لغة أخرى ، دون أن نضحى بالكثير من معانيه وآثاره في النفس والحس ، إننا يمكن أن نشبه الترجمة بعملية مضغ الطعام ليأكله من ليس له أسنان يمضغ بها ، إن المتناول للطعام على هذا النحو يفقد بلا شك الكثير من نكهة الطعام ومذاقه ، وقد يصاب بالأمراض إذا كان ماضغ الطعام مصابا معلولا . وإن مما يقوّي كلامنا هذا ما جاء عن الفقهاء في تحريم قراءة القرآن بالمعنى ، ولما ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم من قوله : " اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها ؛ وإياكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق ، فإنه سيجيء أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية ، لا يجاوز حناجرهم ، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم " . أخرجه الطبراني والبيهقي . فالمسلم منهيّ عن قراءة القرآن بغير لحون العرب ، فما بالك بقراءته مترجما ، ولكل لغة طريقة في النطق وأسلوب في التعبير ، والترجمة ما هي إلا تعبير عن لغة بلغة أخرى . وعند المالكية أن الصلاة لا تجوز بغير القرآن العربي . وفي حاشية الدسوقي على شرح الدردير للمالكية « 1 » ، أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير العربية فإن عجز عن النطق بها خلف من يحسنها ، وإذا لم يجد إماما سقطت عنه الفاتحة . وقال إنه يجب على كل مكلف أن يتعلم الفاتحة بالعربية وأن يبذل وسعه في ذلك ويجتهد في تعلمها وما زاد عنها إلى أن يحول الموت دون ذلك ، وهو بحال الاجتهاد فيعذر إذن « 2 » ؛ ومن المفيد أن نشير إلى أن الإمام مالك رضي اللّه عنه يتشدد في ضرورة الالتزام حتى بشكل الكتابة والخط في كتابة القرآن . وجاء في المغنى « 3 » أن الحنابلة لا يجيزون القراءة بغير العربية ولا إبدال لفظ بلفظ عربى سواء أحسن
هامش
( 1 ) انظر : 1 / 232 ، 236 . وأيضا تفسير القرطبي 1 / 126 . ( 2 ) النقل بتصرف من محمد مصطفى الشاطر . القول السديد . 48 ، 49 . ( 3 ) ابن قدامة المغنى 1 / 536 .
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 366 | محمد محمد أبو ليلة