تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
وذكر الشيخ رشيد رضا أن هذا الأثر إذا أريد به أن سلمان كتب لهم ترجمة الفاتحة بلغة الفرس فكيف يكون ذلك وسيلة للين ألسنتهم ( كما في الأثر ) ، وهم لم يقرءوا الفاتحة إلا بلغتهم ، وأما إذا أريد به أنهم طلبوا من سلمان كتابتها بالخط الفارسي ، فالخط الفارسي قريب من العربي ولا دخل له أيضا بلين الألسنة ؛ والصواب أن الأثر غير صحيح « 1 » . يبدو أن الشيخ رشيد رضا فهم لين الألسنة على غير وجهها وبالتالي عليه ضعّف هذا الأثر ، ونحن معه في أن الأثر ضعيف ومردود ، ولكننا نخالفه في فهم عبارة " حتى تلين ألسنتنا " ، إذ المقصود بها ، حتى نتعلم العربية ، ويسهل علينا النطق بها ، من خلال تعلمنا لها لا من خلال قراءة الفاتحة بالفارسية ، كما فهم الشيخ رضا . وكما تعذر على الناس الإتيان بمثل القرآن ، كله أو بعضه أو حتى سورة منه ، تعذر عليهم أيضا ترجمته ، وتحويل معانيه عن ألفاظها التي قدّت لها وصيغت من أجلها . حاول كثير من الناس أن يترجم معاني القرآن ، فاستحال عليهم نقله وتعذرت ترجمته ، فترجموا منه شيئا يسيرا مثل :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
، و ( سورة الفاتحة ) ، كما أشرنا إليه ، على استخراج شديد ، ونقل بعيد ، وشدة ومعاناة ؛ حتى لقد قال بعض العلماء باللغة : " لو أن الناس عمدوا أن ينقلوا قول اللّه عز وجل :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
( 45 ) ( القمر : 45 ) ، أو قوله تعالى :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
( المائدة : 54 ) ، أو قوله تعالى :
فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ
( الأنفال : 58 ) ؛ لا يمكن نقله على هذا الاختصار ، حتى يوسع الكلام فيه ، ويكثر القول فيه بما يخرجه عن معناه ، ويسلب بهاءه ، ومثل هذه الألفاظ كثيرة لا تنقل من لغة العرب إلى سائر اللغات ، ولا توجد لها ترجمة . هذا كلام الشيخ أبى حاتم أحمد بن حمدان الرازي ( ت : 322 ه ) في كتاب " الزينة في الكلمات الإسلامية العربية " « 2 » . ونقل الرازي عن محمد بن عبد اللّه العتبى قال عليّ كرم اللّه وجهه : " كلام العرب كالميزان الذي يعرف به الزيادة والنقصان ، وهو أعزب من الماء ، وأرق من الهواء ، إن فسرته بذاته استصعب ، وإن فسرته بغير معناه استحال فالعرب أشجار ، وكلامهم ثمار ، يثمرون والناس يجتنون ، بقولهم يقولون ، وإلى علمهم يصيرون " .
هامش
( 1 ) انظر محمد مصطفى الشاطر . القول السديد في حكم ترجمة القرآن المجيد . طبعة حجازي 1355 ، 1936 ، ص 125 ، 124 . ( 2 ) الكتاب من جزءين متوسطين حققه حسين بن فيض اللّه الهمداني اليعبرى الحرازى القاهرة 1958 انظر 1 / ص 66 وما بعدها .