تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
الناس دونها ؛ ولكن العكس هو الصحيح . لقد دخل الناس في الإسلام أفواجا ، وأقبلوا على القرآن حفظا ودراسة ؛ وتبنوا لغة القرآن بشمولها واتساعها في أحاديثهم ، ومعاملاتهم ، وفي تقييد أفكارهم ، وضبط علومهم وثقافاتهم وآدابهم ؛ في التعبير عن آلامهم وآمالهم وأفراحهم وأتراحهم ، وتخلوا طواعية عن لغات أوطانهم التي نشئوا عليها ، وترعرعوا في أحضانها ، وتقلبوا في فيحائها ، ورضعوا أفاويقها ، وحرّ لبانها ، ويمكن لنا أن نفسر هذا التحول إلى اللغة العربية بأنه كان ترجمة عملية لقوة إيمان الذين دخلوا في الإسلام من غير العرب ، وشدة قبولهم لما جاء في القرآن حول القرآن ، ولما وجدوا في القرآن من كلام لا عهد للإنسان به من أخيه الإنسان ، وبخاصة أنه كانت لبعض هذه الشعوب كتبا مقدسة كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم . بل كان منهم من يعتقدون بأن كتب أنبيائهم معجزة ، كالمجوس الذين اعتقدوا أن كتاب زرادشت ، وكتاب مانى معجزان « 1 » ؛ لذا فقد أقبل المؤمنون من غير العرب مطمئنين على لغة القرآن يتعلمونها ويتقنونها ؛ ولم يفكروا البتّة في نقل القرآن إلى لغاتهم ربما لأنهم قد لاحظوا فوق ما قلناه عن القرآن عجز لغاتهم عن تحمل معاني كلام اللّه تعالى . وأمّا ما قيل من أن بعض الفرس كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يترجم لهم الفاتحة إلى الفارسية ليصلّوا بها حتى تلين ألسنتهم ، فكتبها لهم ، فرواية ضعيفة لا يعول عليها . ثم إن الفاتحة عبارة عن أدعية جميلة تهفوا لها الأسماع وتهش لها النفوس وتطير نحوها القلوب ، وملايين أطفال المسلمين يحفظونها برغم صعوبة الكلام عليهم إذا عانوا غيرها من الحديث ، وإذن فالحاجة إلى ترجمتها لم تكن ماسة حتى يكتبوا إلى بلال يطلبون ترجمتها « 2 » . وحتى لو أخذنا الرواية مأخذ القبول على ريب منا ، فإنه قد ورد أن بلالا لم يترجم الفاتحة كلها ، وأنه تعزر عليه نقل
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
؛ وجاء في كتاب النفحة القدسية أن سلمان ترجم لهم البسملة فقط . وهذا يعنى أيضا ، إذا صح أن سلمان لم يستطع أن يترجم الفاتحة وأنه رفض ذلك .
هامش
( 1 ) الباقلاني . إعجاز القرآن ص 55 ( 2 ) انظر مجلة الأزهر 1903 ، ومحمد فريد وجدى " الأدلة العلمية على ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية " ملحق بالجزء الثاني من مجلة الأزهر 1355 ط 2 ، ص 64 .
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 362 | محمد محمد أبو ليلة