تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
والمشيخة ، هذا على الرغم من اختلاف اللسان وتباين اللغات واللهجات ؛ وهذه الظاهرة في ذاتها دليل على عظمة القرآن ، ودليل على كونه معجزة اللّه الخالدة . إن القرآن هو الكتاب الوحيد من بين الكتب المقدسة الذي حافظ على اللغة التي نزل بها ، ولم يتخل البتّة عن الحلل التي كساه إياها رب العالمين وخلعها عليه أحكم الحاكمين ، ولا يزال القرآن على الرغم من وجود الترجمات الكثيرة إلى الآن يقرأ بلغته الأصلية في كل بلاد المعمورة ، في الجامع والجامعة ؛ ولا يزال النص العربي للقرآن هو الأصل الذي يرجع إليه عند الاختلاف . وقد ظهر دين الإسلام على جميع الأديان ، وظهرت اللغة العربية على سائر اللغات التي في العالم من أجل أن القرآن أكرم كتاب أنزله اللّه تعالى ، وأشرف كلام أحكمه ، وأنه لا يقدر أحد من الأمم على اختلافهم في لغاتهم أن يحيله عما هو به من اللغة العربية إلى لغة غيرها ؛ لأنه لا يمكن أن ينقل البتة إلى لغة على ما هو به من الاختصار والإيجاز وعلى ما فيه من أسرار وإعجاز . « 1 » هذه المعاني التي أشرنا إليها توضّح بجلاء خطأ الكاتب في دعواه بأن القرآن نزل للعرب بخاصة ؛ وأنه من ثم لم يكن من أهداف صاحب الدعوة أن ينقله أو يبلغه إلى غير العرب ، ولكنه ( أي النبي ) صلى اللّه عليه وسلم بعد أن فكر في التوسع ، وفي نشر الإسلام بين غير العرب ، كما يزعم الكاتب ، جاء بفكرة عموم الدعوة . إن هذا القول يظهر اجتهاد ويلش في البعد عن الحقيقة لا في التوصل إليها ؛ ولو أن الرغبة في نشر القرآن جاءت كرد فعل للفتوحات فقط ، كما يزعم ، لكان ذلك أدعى إلى ترجمته ليبلغه بسهولة إلى الخلق ويوصله إليهم ؛ إذ ما الحكمة في أن ينتظر الفاتحون المنتصرون ويصبروا حتى يتعلم الصغير والكبير ، والرجل والمرأة ، اللغة العربية كي يتمكنوا من معرفة القرآن والإسلام ، ويتفقهوا في الدين ثم يترجم لهم القرآن بعد ذلك إلى لغاتهم ؟ ! ! ومن بدائه الأمور ، فإن تعلم لغة ما ، لا يفرض على أحد بالسيف ، وتعلم اللغة والمهارة فيها ، لا يكون عنوة أبدا ؛ ولو أن البلاد التي دخل أهلها الإسلام كانت تكره هذا الدين لكرهت اللغة العربية التي جاءهم بها هذا الدين أيضا ، ولانصرفت عنها وثبطت
هامش
( 1 ) انظر رسائل إخوان الصفا . بيروت . دار صادر . 3 / 164 - 165 .
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 361 | محمد محمد أبو ليلة