ومحالهم ومحافلهم ، ويستنبطون منه الأحكام ، ويستخرجون من بطون آياته الترياق الشافي ، والنور الهادي والروح والراحة ، والعزة والحمية ؛ وظل القرآن هكذا عربيا مبينا لم يستشعر النبي الحاجة إلى ترجمة معانيه ، حتى بعد دخول أهل اللغات غير العربية في الإسلام ، وحتى أننا لنجده صلى اللّه عليه وسلم وهو يوجه برسائله إلى ملوك ورؤساء الأرض يوجهها بلغة عربية خالصة ؛ لم يتجه صلى اللّه عليه وسلم إلى الترجمة ، هذا على الرغم من عموم رسالته ، وحرصه الشديد صلى اللّه عليه وسلم على هداية البشر ، ومداومة قرع أبواب قلوبهم للولوج إليها وتوجيهها إلى طريق اللّه رب العالمين ؛ وقد كان الصحابة يحضون على تعلم اللغة العربية . فمن كلام عمر في هذا الصدد : " يا أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم ، فإن فيه تفسير كتابكم " ؛ وكتب إلى أبى موسى الأشعري : " أما بعد فتفقهوا في السنة ، وتفقهوا في العربية ، وأعربوا القرآن فإنه عربى " ؛ وفي رواية " تعلموا العربية فإنها من دينكم " قال ابن تيمية : " هذا الذي أمر به عمر رضي اللّه عنه من فقه العربية وفقه الشريعة يجمعها ما يحتاج إليه لأن الدين فيه أقوال وأعمال فقهية ؛ الشريعة هي الطريق إلى فقه أقواله ، وفقه السنة هو فقه أعماله " ، وقال ابن تيمية أيضا : " إن تعلم اللغة العربية من الدين ، والمعرفة وحي « 1 » ؛ وإنه لمن علم اليقين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يعرف أن كتبا إلهية سابقة ، قد نزلت بلغات أخرى ، لغة القوم الذين بعث فيهم أصحاب الرسالات ، والتي ترجمت فيما بعد إلى لغات أخرى ، فلم يعب النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك عليهم ، ولا حاول أن يقلدهم فيه ؛ ومن المعروف أيضا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد أمر ثابت بن زيد أن يتعلم لغة يهود ليترجم له عنها ، ويترجم عنه لأصحابها .
أضف إلى ذلك أن اللّه تعالى قد بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم إلى العالمين :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( 107 ) ( الأنبياء : 107 ) ،
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
( الأعراف : 158 ) ولفظ " النّاس " في الآية يعم جميع الخلق ويضمهم ؛ والمعروف بداهة أن الناس ، فيهم العربي والعجمي الذي لا يفهم خطاب القرآن . أرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم بالوفود والجيوش لتبليغ الدعوة واقتحام مناطق الكفر ، وفتح البلدان لنور الرحمن ، ومع هذا لم يأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم البتّة بترجمة القرآن إلى لغات هذه الشعوب ، لأجل هذا انتشر الإسلام وأقبل الناس على اللغة العربية يدرسونها ويمهرون فيها حتى صاروا في معرفتها من ذوى الإمامة
هامش
( 1 ) ابن تيمية . اقتضاء الصراط المستقيم الرياض مطابع المجد التجارية ص 162 ، 163 .