تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
وفي آية أخرى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) ( يس : 82 ) ، فالشيء ليس هو أمره ، إنما الشيء الذي كان بأمره . ومن الأعلام والدلالات أنه لا يعنى كلامه مع الأشياء المخلوقة ، قال اللّه للريح التي أرسلها على عاد قوم هود عليه السلام :
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها
( الأحقاف : 25 ) ، وقد أتت تلك الريح على أشياء لم تدمرها ، منازلهم ، ومساكنهم ، ولم تدمرها ، وقال :
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ
، فكذلك إذا قال :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
( الأنعام : 102 ) لا يعنى نفسه ، ولا علمه ، ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة « 1 » . وإلا لجاز أن نقول : إن القرآن دمرته هذه الريح باعتباره شيء على قولهم السقيم المرذول . قال أبو حامد الأسفرايني : " مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام اللّه غير مخلوق ، ومن قال مخلوق فهو كافر ، والقرآن حمله جبريل مسموعا من اللّه ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم سمعه منه ، والصحابة سمعوه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا ، وفيما بين الدفتين ، وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ، وكل حرف منه ، كالباء ، والتاء ، كله كلام اللّه غير مخلوق ؛ ومن قال " مخلوق " فهو كافر ، عليه لعائن اللّه والناس أجمعين " « 2 » ؛ وعند الحنابلة أن القرآن كلام اللّه غير مخلوق ، وكلام له حرف ، وهو منزل من السماء ، والمكتوب في المصحف كلام قديم ، وكذا المقروء والمسموع ، ولا فرق بين القراءة والمقروء . ونقول إضافة إلى ذلك إن القرآن لو كان حادثا غير قديم لأمكن للإنسان الحادث أن يأتي بمثله ، وهو ما نفاه القرآن نفسه عن القرآن . وذكر الإمام أبو حنيفة ( ت : 150 / 717 ه ) في كتاب " الفقه الأكبر " أن : " القرآن كلام اللّه تعالى ، في المصاحف مكتوب ، وفي القلوب محفوظ ، وعلى الألسن مقروء ، وعلى النبي صلى اللّه عليه وسلم منزل ؛ ولفظنا بالقرآن " مخلوق " وكتابتنا له " مخلوقة " ، وقراءتنا له مخلوقة ، والقرآن غير مخلوق ؛ وما ذكر اللّه تعالى في القرآن حكاية عن موسى وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وعن فرعون ، وإبليس فإن ذلك كله إخبار عنهم ، وكلام اللّه تعالى غير مخلوق ، وكلام موسى
هامش
( 1 ) انظر كتاب الرد على الزنادقة والجهمية ضمن كتاب عقائد السلف - للأئمة أحمد بن حنبل والبخاري وابن قتيبة وعثمان الدارمي ص 75 ، 76 . ( 2 ) ابن تيمية . رسائل وفتاوى 3 / 32 ، 33 ، وانظر أيضا الوهان محمد بن محمد الغزالي وإحياء علوم الدين ، بيروت دار الكتب العلمية 1412 ه - 1992 م .
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 352 | محمد محمد أبو ليلة