القرآن ؛ ، وهذا التفريق له معناه ، إذ القرآن كلام البارئ ، والصوت صوت القارئ ؛ ومنه قول أبى موسى الأشعري لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان قد استمع ذات ليلة إليه وهو يقرأ القرآن في بيته ، وأبو موسى لا يدرى ، فلما أخبره النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : " لو علمت أنك تسمع ( أي قراءتي للقرآن ) لحبرته لك تحبيرا " . أي زينته واجتهدت في تجويده والتغني به « 1 » . أما القرآن نظمه ، ونقطه وحروفه ، فكلام اللّه غير مخلوق ؛ هذا هو اعتقاد المسلمين في القرآن ، كما لاحظ الكاتب بحق . كان علماء الكلام - وهذا أمر طبيعي جدا - قد بدءوا يناقشون مسألة طبيعة القرآن ، هل هو قديم باعتباره كلام اللّه تعالى الذي نزل به جبريل على محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ أم هو مخلوق ، باعتبار دخوله عالم الكون والفساد ؟ بدأ ذلك النقاش ، إبان خلافة هارون الرشيد ، واشتد الجدل فيه ، في خلافة المأمون العباسي وبعده ، حيث أعلن المأمون في 212 ه / 833 م ، تحت تأثير آراء المعتزلة الذين قالوا بأن القرآن مخلوق ، وليس قديما ؛ وكان هدف المأمون من وراء هذا التصريح ، في الأغلب ، سياسيا لا دينيا . ولذلك فقد صار مجالا للجدل الشديد ، إذ هبّ الفقهاء ، على عكس ما قدّر المأمون ودبّر ؛ فأنكروا القول بخلق القرآن ، وقادوا حملة حامية ضده ، وصلت إلى حد تكفير كل من قال بخلق القرآن ؛ هذا مع أن المسألة لم تعد أن تكون نقاشا عقليا ، وعملا فكريا ، لا يذهب البتّة بعقيدة معتقديه .
بدأت المحنة منذ عام 218 ه / 833 م ، واستمرت عشرين عاما ، وكان بطلها ومجاهدها الأول من العلماء ، هو الإمام أحمد بن حنبل رضى اللّه عنه ؛ فقد وقف في وجه الخصوم لم ينحن ، ولم ينثن وقد انفض الناس عنه ، خوفا أو تقية ؛ وقد عبر الإمام أحمد عن هذا بقوله ، رواية عن ابنه عبد اللّه : " الحمد للّه الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل ، بقايا من أهل العلم ، يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، يحيون بكتاب اللّه الموتى ، ويبصّرون بنور اللّه أهل العمى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال تائه قد هدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ، ينفون عن كتاب اللّه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، الذين عقدوا ألوية البدعة ، وأطلقوا عقال الفتنة ، فهم مختلفون في الكتاب ، مخالفون للكتاب ، مجمعون على مفارقة
هامش
( 1 ) المصدر نفسه 29 ، 30 .